أركان الإسلام

هل تعد واقعة «كورونا» حدثاً في تاريخ الوسيط الديني؟

الدين غرضُه بناء النفوس وتحقيق الخلاص الفردي بالدرجة الأساسية

يقول عابد الجابري: «عندما يتدين الفرد لوحده، فهو يمارس الدين، ولكن عندما ينادي الآخرين ليتدينوا معه، فهو يمارس السياسة»

وهذا هو البعد المفقود في فهم الدعاة، من حيث إغفال لعبة السياسة (أرجوحة: مع أو ضد). فهم حتى بالنسبة لضمائر المؤمنين يمارسون تسييسها شاءوا أم أبوا، وخطورة ما يفعل هؤلاء أنهم يقيموا طبقة عازلة تدريجياً بين الفرد ونفسه.

فالقرآن تحدث عن السحرة الذين يفرقون بين المرء وزوجه، كذلك قد يكون الزوج هو النفس، الذات، أي القرين كما تستعمل الكلمة في بعض الثقافة الشعبية (تحت معنى أخته).

الخطاب الديني يفرق بين المرء وذاته

التفرقة الأولى معروفة في الأسرة الواحدة (بين الرجل وامرأته)، أما التفرقة الثانية (بين الإنسان وذاته): أن الدعاة نتيجة الخطاب الداعي للإتباع والتحريم والشعائر الظاهرية أمام الناس (بوصفها كل الدين)

يحفرون فجوةً غير قابلة للردم بين المؤمن ونفسه. لأنَّه سيبادلهم صورةً بصورة، شكلاً بشكل، ومراوغة بمراوغة مع تقلبات الفتاوى والأحوال الدينية والسياسية.

وسينسى الإنسان الجوانب الروحية في الدين منغمساً داخل الشكليات ليس أكثر.

سيصبح المؤمن مسْكوناً بهواجس التتبع والمراقبة غير الذاتية، ستخبو لديه مراقبة الله لقاء حضور شيء آخر ليس من جنس الدين إلاَّ رسماً.

وهواجس الخوف نفسه عادة ما تتوحد  السلطة به أو بالأحرى يتم اسثماره من الخطاب الديني وصولاً إلى نفوس المؤمنين.

فالغاية القصوى داخل كل مجال سياسي هو بث الخوف في روع المواطنين (باسم القانون)، كأنَّ الدولة ليست جهازاً سياسياً رمزياً للحكم، لكنها (إله) من عجينة المراقبة والمعاقبة، وهو الأمر الذي لا يكون ممكناً إلاَّ بتجربة الدعاة.

فهؤلاء الدعاة – لو نتخيل- يسبقون الدولة في المراقبة والمعاقبة بلغة ميشيل فوكو. وسيكون الخوف مما يلحق بالأفراد أبعد من الخوف من أية سلطة سواها. إنَّ فكرة الاصنام في أصولها ضرب من درء الخوف من المجهول الميتافيزيقي، فكان تجسيدها في شكل عيني أدعى لترويضه وتحديده مشخصّاً.

تأثير «كورونا» على الوسيط الديني

ولذلك، فالمسألةُ الحيوية كالتالي: هل تعد واقعة «كورونا» حدثاً في تاريخ الوسيط الديني؟ هل سنرى تصدُّعاً في الخطاب الديني من جهة خفوت تأثيره الجمعي؟!

وهل غياب المؤمنين يغيب القائمين على رعايته بالضرورة؟ مهما تكن الإجابات، فإنَّ البشر هم من يخلقون كهانهم بأقنعة لا حصر لها، وليس الدين في ذاته هو ما يفعل ولا ما يحدد كهانه.

الكاهن قابع في طرائق الحياة وسياسات البشر نحن ما هو عمومي. فالدين – حتى بنظرة مبدئية- لا يعطي زمام أمره إلى أي لاهوتٍ بشري يبتلعه تحت سقف السلطة.

إنَّ ما فعله «كورونا» ليس نوعاً من التنظيم كما حاول الدعاة تصويره والتهوين منه إذ يواصلون إزجاء النصائح الدينية للمؤمنين حتى أثناء الحجر الصحي. كإشارة أنهم لن يتركونهم إلاَّ عند باب القبر ثم إلى الجنة أو النار.

إنَّه عودة إلى الأصل، التفاتة تاريخية بالغة الدلالة إلى المنابع، وهي عودة تكشف كل تاريخ استعمال الدين وحجبه وتغطية أصوله باسم الدعوة إليه.

الدين بناء للنفوس

كأنَّ الفيروس يقول: إذا كان الدين تتنازعون حوله كلما التقيتم على نحو عمومي، فهو ليس لهذا الغرض بالتحديد. دوماً غرضُه بناء النفوس وتحقيق الخلاص الفردي بالدرجة الأساسية، وأنَّ هؤلاء الدعاة قد يكونوا مرهونين بالأوضاع المسيّسة والمؤدلجة.

بدليل أنَّ عنف البيولوجيا (الفيروس) أزالَ عنفَ الوسيط الديني بين الناس. لئن كان الإنسانُ مدنياً (أو اجتماعياً بالطبع)، فالطبيعة ترُد علينا فوراً إذ تزيل المدنية ليرتهن الفرد بثقل وجوده الذاتي، وتصبح مسؤوليته أنْ يتفرد طبيعياً واجتماعياً. أي بالمنطق نفسه عادَ الفردُ إلى بيولوجيته الذاتية التي هي المدنيّة الاجتماعية الجديدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى