أخطاء شائعة

هوامش على دفتر شهادة «يعقوب»

هل آن أوان العودة؟ لعلنا نستطيع، ولم يعد لدينا ترف الانتظار، إنها قضية وجود، تأخر حسمها كثيرًا

وحتى لا تتوه البوصلة فإن معركتنا ليست مع السلفيين الوهابيين وحدهم ولكنها مع السلطة الدينية، وكل ما يدعمها ومن يدعمها من جميع فِرق الإسلام السياسي.

قولًا واحدًا إن هؤلاء الدعاة من السلفيين، ومعهم، وربما قبلهم، فقهاء المؤسسة الرسمية وهيئاتها، يغردون جميعًا داخل سرب الفقه الوهابي.

وربما يكون اختلافهم في الدرجة وليس في النوع، فكلهم متشددون متطرفون، يدعون إلى الفقه الدموي مِن قتل للمرتد، ولتارك الصلاة، ورجم للزناة، وجهاد الطلب، ونشر الإسلام عنوة، وفرض الجزية، واقتناء السبايا والعبيد، ويحرضون على  تكفير أصحاب العقائد الأخرى، ويقدسون التراث، ويرفضون الاجتهاد، ويؤمنون بالفرقة الناجية، ويسوّقون الخرافات، ويحقرون من شأنِ العلم، ويستهينون بالعقل، ولا يعرفون إلا النقل، وهكذا.

وكلهم دون استثناء لا يكفّر داعش، ولكنهم يكفّرون طه حسين وعلى عبد الرازق ونصر حامد أبو زيد، ونجيب محفوظ وفرج فودة، وكلهم لا ينتمي للوطن، ولكن لدولة الخلافة، ولا يحبون التراب الوطني ولايأبهون للدفاع عنه، بل ويفرحون ويشمتون في عثراته، وكلهم لا يطيقون الفنون على اختلافها، ولا الفكر والأدب، ويُشهرون سيوفهم في وجهها.

أليسوا هم من نشر فقه التكفير، لأصحاب العقائد الأخرى، شركاء الأرض والوطن، وحرّموا تهنئتهم في أعيادهم، وحذّر إمامهم الذي طبقت شهرته الآفاق ولا تزال، من أن نأتي بأفعال يرضون بها عنا وإلا نكون قد خرجنا من الملة؟ وذلك في استهداف مقيت، وعصف خطير للنسيج الوطني المتماسك للمصريين منذ آلاف السنين، وفي تهديد سافر لوحدتهم الوطنية، وأمنهم القومي.

وأليسوا هم من حاول نشر ثقافة كراهية الوطن، بعدما نعتوه بأنه مجرد حفنة من تراب عفن، ولم يتورع مرشدهم يومًا عن أن يتلفظ قبحًا، قائلًا (طظ في مصر)؟ في اعتراف فاضح وفادح وفاحش بالخيانة، أما إمامهم الأشهر فقد سجد لله شكرًا على هزيمة الوطن في يونيو ٦٧، في واحدة من أبشع سقطات الجحود والنكران التاريخية في حق الأوطان.

وأليسوا هم من نزع الشهادة عمن يُقتل في سبيل الدفاع عن الوطن، وأفتَوا بأن الشهيد هو فقط من يموت من أجل أن يجعل كلمة الله هي العليا؟ وذلك في تحقير مقصود، وتهوين متعمّد من شأن الوطن وتنكُّر مشين لواجب الدفاع عن ترابه الوطني.

أليسوا هم من يقف بضراوة في وجه إصدار تشريع لتنظيم الأسرة، بدعوى تحريمه، تاركين الوطن ليواجه قدره المحتوم والكارثي نحو حدوث انفجار سكاني وشيك.

وأليسوا هم من تربّص -ولا يزال- بالمجتهدين والباحثين عن خطاب ديني جديد، ورموهم  بتهم التكفير، وزجّوا بهم في أقبية السجون بتهم التكفير وازدراء الأديان بعد رفع قضايا الحسبة عليهم، ومن نجا منهم من السجون لم ينجُ من القتل غِيلة على أيدي الإرهابيين بعد فتاواهم التكفيرية التي كانت سببًا مباشرًا وراء إهدار دمائهم، أو التفريق بينهم وبين أزواجهم.

ثم بعدها يفلتون بجرائمهم، ويستمرون في مقاعد الدعاة، ويزدادون شهرة، وثروة، بدلًا من أن يقتص المجتمع منهم، بل ويكثر أنصارهم التفافًا حولهم، يُجِلّونهم  ويستشهدون بأقوالهم، بعدما غُيبت عقولهم، وعميت بصائرهم.

وأليسوا هم من أطلق فتاوى قتل المرتد، وخولوا السلطة لأي فرد من آحاد الناس في المجتمع لإنفاذ الحد المزعوم  طالما أن الحاكم لم يفعل، وقال كبير  شهير منهم، في شهادته لصالح قتلة الدكتور فرج فودة، إنه كان مهدور الدم  لأنه كان مرتدًا، وإنهم -أي القتلة- افتأتوا على الحاكم  فقط، وليس هناك عقوبة في الإسلام على الافتئات؟ وذلك في شهادة إجرامية دموية بالغة البشاعة، تنظر لحدوث فوضى دموية برداء شرعي، من شأنه أن يهز أركان الأمن القومي، وأصبحت فيما بعد مسوغًا شرعيًا للإرهاب المتأسلم، ومذابح داعش والنصرة وغيرها دليل عليها.

وأليسوا هم من نشر ثقافة تحريم الفنون والآداب، حتى أوشكت قوة مصر الناعمة، التي كانت تختال بها، على التآكل والتلاشي، إن لم تكن قد تآكلت وتلاشت بالفعل، ويلزمها أجيال حتى يظهر عندنا مرة أخرى طه حسين، ونجيب محفوظ، وسيد درويش، وأم كلثوم وعبد الوهاب، ومحمود مختار، وغيرهم.

وأليسوا هم من نشر ثقافة الخرافة والشعوذة، والدروشة، والهوس الديني، ومظاهر التدين الشكلي وتعطيل إعمال العقول

وأليسوا هم من وقف عقبة كئود في إيقاف مسيرة التنوير التي كانت قد بدأت أنوارها مع مطلع القرن العشرين على أرض المحروسة، بعدما نجح هذا الانفجار الدعوي المنحط الذي ضرب الوطن منذ السبعينات في نشر ظلمات الجهل على أرضه

ثم: أليسوا هم من أطلق علينا طوفانًا مشينًا ومخجلًا ومهيًنا من فتاوى التحقير من شأن المرأة، وإهانة كرامتها، وقهرها، ومصادرة رأيها؟ فهي أحبولة من حبائل الشيطان، وهي ناقصة عقل ودين، وهي من أكثر أهل النار، ومخلوقة من ضلع أعوج، وخروجها إلى العمل دون ضرورة، يجعلها آثمة، ولا تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها ولو إلى عيادة أبيها المريض.

ولا يتكفل زوجها بعلاجها، ولايكفنها، وديتها نصف دية الرجل، وتلعنها الملائكة إذا باتت وزوجها عليها غاضب، وله أن يأتيها غصبًا وقهرًا، وإذا مرت على قوم ووجدوا عطرها فهي زانية، ويضربها زوجها بشرط ألا يكسر لها ضلعًا، ولكن بهدف كسر كبريائها، كما يقول إمامهم الأكبر.

ولابد لها أن تختفي تمامًا عن الأنظار تحت الإسدال، أو النقاب، وإلا فإنها سوف تكون متبرجة، حتى ولو كانت محتشمة، وسوف يكون ذلك إلحاحاً منها في طلب الرجال كما قال إمامهم الأشهر، بعد ما أسقط جرم التحرش عن الذكر المسكين والضعيف، الذي لا يستطيع أن يتحكم في شهواته.

وبعدما شاعت ثقافة التحقير من شأن المرأة بين الناس، فليس غريبًا ولا عجيبًا أن أصبحت أمثولة للحلوى المكشوفة التي يتكاثر عليها الذباب مرة ولقطعة اللحم المكشوف التي يتكالب عليها الكلاب مرة أخرى، أو السيارة التي تركها صاحبها دون إحكام قفلها، وبات من الطبيعي أن يحمّلها هؤلاء الدجالون الأفاكون، المسؤولية وحدها عن تلك الظاهرة المشينة من التحرش الجنسي.

وأليسوا هم من روّج فتاوى وجوب ختان الإناث وإباحة زواج القاصرات، حتى ولو لم يبلغن المحيض؟ طالما أنها (مربربة، وتطيق النكاح).

أليسوا هم من اعتد بالطلاق الشفوي، ودون إشهاد ولا توثيق، مما أدى ولا يزال إلى انهيار المزيد من الأسر كل يوم، بل كل ساعة، وكل دقيقة.

 

إنهم لم يقولوا خيرًا قط، ولم تكن دعاواهم إلا دعاوى آثمة، إجرامية منذ أن عرفناهم، ومنذ أن ضربنا هذا الاعصار المدمر للعقول، الذي كان ولا يزال يمثل واحدة من أشد وأقسي المراحل فى الإساءة والتشهير بالإسلام  على مر التاريخ، منذ أن بعث الله تعالى رسوله الكريم، بالهدى ودين الحق.

فماذا ينتظر المصريون أن يبادروا بالانفضاض من حولهم، وقد دأبوا على الاستماع إلى هذا الغثاء الفج، على مدى عقود؟!

إن هؤلاء الذين نسبوا نفسهم إلى الدعوة في غفلة من الزمن، وأقحموا أنفسهم عليها وعلينا، قد نجحوا نجاحًا ساحقًا في اقتحام قلاع الوطن بحراب الغزو الوهابي اللعين، منذ السبعينات وحتى الآن.

ولم يكن حصادهم إلا شوكًا، وتخلفًا، وخروجًا من الزمن، وقد ثبت يقينًا أنهم جميعًا فاقدون للأهلية، وللعلم اللازم للدعوة، فكلهم، ودون استثناء، لا يقرؤون، ولا يسمعون الموسيقى، ولا يختلفون إلى المعارض أو المتاحف، ولا يمارسون الرياضة، ولا يتقنون إلا رياضة الجنس، عبر زيجات لا تكاد تنتهي، في مخالفة واضحة للشرع الذي يؤسس العلاقة الزوجية على المودة والرحمة.

أيها المصريون.. لا تستمعوا إليهم بعد اليوم، وأعرضوا عنهم، وأعملوا عقولكم، وعودوا إلى وعيكم، إنهم دجالون أفّاكون مضللون، بضاعتهم فاسدة، واعلموا أننا سوف نظل قابعين في كهوف التخلف، بعدما داهمنا قطار الحداثة، وإن لم نفعل، فنحن إلى زوال أكيد.

فانزعوا عنهم أردية القداسة الزائفة، وقفوا بينهم وبين منظومة صناعة القرار، كحائط صد، وانهضوا إلى الجهاد الحقيقي في سبيل إرساء قواعد الدولة المدنية، التي تحكم بالدستور والقانون، ويتم الفصل فيها بين الدين والسياسة، ولا مكان فيها لهؤلاء الدجالين المحتالين.

فهل آن أوان العودة؟ لعلنا نستطيع، ولم يعد لدينا ترف الانتظار، إنها قضية وجود، تأخر حسمها كثيرًا، فهل تفعلون؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى