أخطاء شائعة

وازدراء العقل أيضًا… جريمة

لو كانت الدنيا تدار بلا عقول أو تدبير لخلقنا الله كالبهائم والأنعام

إذا قال ابن رشد: «إن الله لا يمكن أن يعطينا عقولًا ويعطينا شرائع مخالفة لها» فإن الرجل متوافق ومتماثل مع ما جاء به القرآن، مدرك تمامًا قيمة العقل، نافذ القصد والبصيرة من حكمة الخالق «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ»

والإيمان في الآية هو مشيئة الله وإرادته، وإرادة الله تحت لواء العقل، ويجعل الذنب «عدم التصديق والإيمان» على الذين لا يعقلون ولا يفكرون، فالعقل مناط الإيمان وموضع التكليف، وعلة الثواب والعقاب، وليس من الحصافة والحكمة أن يعطينا الله عقولًا نفكر بها ونشك ونرتاب ونثق ونبحث وندقق ونطمئن ونقلق ونؤمن ونفكر ونكفر، ثم يعطينا ما يخالف هذا العقل ويتصادم ويتخاصم معه، أو يرفض كلاهما الآخر.

قيمة العقل في التفكير

كذلك لا يُعقل أن يطلب منا حُماة الدين وورثة عرشه عدم التفكير أو إعمال العقل وتوقيفه، بحجة أن هناك أمورًا تتعدى وتتخطى حدود العقل، وهم وحدهم أصحاب النظر والتدبر والفهم والبصيرة والاختراق.

وعلينا الإذعان والتسليم بما قرروه وفهموه، وهي مغالطة غليظة، فإذا عقلوها عقلناها، وإن غابت عنا فهي غائبة عنهم وعن الجميع، ونرفضها برمتها، ولا نقبل لها مبررًا أو حجة أو إعجازًا أو قدرة أو سلطة، فما فوق إدراك العقل مرفوض في حينه، فإذا كان التفكير مثواه العقل.

والتصديق والإيمان رتبة من رتب التفكير، فلا يُعقل أن يتخطى الله العقل في أمور تبعث على الريبة والشك، أو تحرض على التكذيب وعدم التصديق، أو تزين للعقلاء الطعن في كلام الله وجهل مراده، وتجعل الإنكار أقرب من التصديق، والكفر أولى من الإيمان، ولو كانت الدنيا تدار بلا عقول أو تدبير لخلقنا الله كالبهائم والأنعام، نأكل ونشرب ونتكاثر ونتقاتل، دون تكليف ودون عقاب، ونسلم ونستسلم جميعًا لدين واحد.. آمين.

العقل البشري منحة الخالق للإنسان

والعقل البشري هو أرقى وأنقى وأرفع ما في المخلوقات، وأعظم المنح والنعم التي منحها الخالق للإنسان، وكما هو حجة الإدراك لوجود الخالق، والإحاطة بعلمه، والاستدلال على حقيقة قدرته، واستنباط المقاصد والنيات والهدف من الوجود، فهو برهان أيضًا على الإنكار والرفض، وتبرير للإعراض واستنكار لما استجابوا وامتثلوا له.

ولذلك فإن قيمة العقل هي الوصول والبلوغ والرقي إلى السبيلين، فلا إيمان ولا كفر إلا به، ولا طاعة ولا معصية إلا إذا كان حاضرًا، ولن يضر الله أو ينفعه خاتمة ومستقر البالغين، طاعة أو عصيانًا، كفرًا كان أو إيمانًا.

المعرفة هي طريق الوصول

وليس الإيمان والتصديق أو الكفر والإنكار دربين وسبيلين متوازنين يصل بأيهما العقل لليقين، فربما يضيق الطريق على الكثير من خلقه ولا يسمح لهم بالمسير، وربما لا يشغلهم أمر الإيمان أو الكفر ويمضي كل إلى حال سبيله، المنشغلون فقط هم السالكون، وهو سباق مشروع في مضمار المعرفة، فكل منهم قد ارتقى واحترق واخترق.

المعرفة طريق الوصول كفرًا كان أو إيمانًا أو بينهما، وهو حق معلوم لمن كان ذا بصيرة، الغريب أن كلًا منهم يشفق على الآخر فيما يعاني من البعد عن الحقيقة والوصول إلى اليقين، فلا حقيقة مطلقة في هذا الكون..

من يخالف من العباد سلطة العقل وحقه في البحث بحرية فقد عارض مراد الله في الإيمان أو الكفر، وهو حق أقره الله لمن أراد «وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» ولو كانت إرادة الله أن يكون الناس جميعًا على عقل واحد وقرار واحد ما حرمهم هذا النعيم، إلا أن الكفر والإيمان مراد الله في عباده.

الاختلاف سنة الله في خلقه

والاختلاف حول المسألة الواحدة أمر ليس بغريب أو مستهجن او مرفوض من الخالق «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ».. الإيمان والكفر والإنكار والجحود والإلحاد كلها مشيئة الله ومراده في خلقه إلى أن يرثها.

اتركوا العقل وشأنه مع خالقه، يهديه أو يضله هو مراد الله وقدره وقدرته، وهذا أحد المفكرين يقول «إن الله لم يمنحنا إثباتًا قاطعًا حاسمًا على وجوده دون عناء البحث والتفكير، والمرء يحتاج إلى قناعة عميقة حول هذا».

نتيجة الحجر على العقل

ما هي نتيجة الحجر على العقل؟ والحجر هنا معناه إلغاء العقل، وإلزام الغير بأفكار وعقائد على غير اقتناع جبرًا وقسرًا، أو حرمانه إبداء الرأي، أو حجب فرص التعبير والتفكير دون قيود أو إرهاب، والحجر سلطة القوي على الضعيف، مؤمنون او منكرون أو مذاهب شتى، وهنا مكمن الخطر، فإذا أقر المؤمنون بسلطة القوة والإكراه على الإيمان، فعليهم قبول الخضوع والاستسلام للكفر حين الاستضعاف، وأتصور أن هذا الإيمان ناقص ومبتور، بل الأغلب هو إيمان شكلي وصوري، يمارسه الناس رياء، مهما كانت صور الورع والتقوى بادية ظاهرة، كمن آمن بالسيف فلما ارتد عاد بالسيف أيضًا، وهؤلاء خطر على المعتقد ذاته.

إذا كان القانون قد جرَّم ازدراء الأديان بتعريف مطاط هزاز مذبذب متردد، فمن باب أولى أن يكون ازدراء العقل أيضًا جريمة لأنه تعدّي على حق العقل الذي منحه الخالق لعباده.

ورحم الله أبوالعلاء المعري حين وصف المسلمين في عصره «إما عقلاء بلا دين.. أو متدينون ولا عقل لهم».. الدولة المدنية هي الحل.

نقلًا عن «المصري اليوم»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى