رؤى

لا تقدسوا اللغة العربية

الله تعهّد بحفظ القرآن الكريم بمعانيه وليس بلغته

خالد منتصر
Latest posts by خالد منتصر (see all)

أنا سعيد بأجواء الاحتفال بيوم اللغة العربية فأنا من عشاقها..

لكنى غير سعيد بتصريحات ترفعها لدرجة القداسة مثل أن كل اللغات ستنقرض إلا اللغة العربية وأن لغة أهل الجنة هي اللغة العربية وأننا متميزون لأن الله اختصنا باللغة العربية… إلخ..

غير سعيد لأن التقديس منهج فكر وبناء شخصية، ومن سيقنعك بأن اللغة العربية مقدسة سيتمكن من إقناعك بأن الداعية مقدس وأمير الجماعة مقدس والمرشد مقدس… إلخ..

وقد كتبت من قبل في هذا الموضوع وهوجمت بشراسة لأن معظمنا يتبنى هذا الرأي الذي يتحدث من منطق التعالي والفوقية من خير الأمم على باقي البشر..

وأتمنى ألا يزايد أحد على شخصي المتواضع في حبي للغة العربية وعشقي للشعر العربي، إلا أنني مع كل هذا العشق، ورغم كل هذا الهيام، فإن هذا لا يجعلني أُردّد مع المردّدين أنها لغة مقدسة ولا أنها أجمل أو أعظم اللغات.. إلى آخر أفاعل التفضيل التى نُردّدها كل صباح ومساء..

وهي مبالغات لا تصمد لأي مناقشة علمية ولا تخضع لأي منطق..

لأنه ببساطة لا توجد هذه الأفضلية المزعومة في مجال المقارنة بين لغات هي اختراعات بشرية لمجتمعات مختلفة، وكل لغة لها جمالها ونقاط جاذبيتها..

تقديس اللغة العربية وهم استعلائي

أما الكلام بأن الله تعهّد بحفظها فهو كلام لدغدغة المشاعر واستدعاء الدين في مجال نقاش بشري وإرهاب المعترض وإفزاعه بالسماء، حتى يخرس عن الجدل..

الله تعهّد بحفظ الذكر، أي القرآن، بمعانيه وليس بلغته..

بدليل أن فارس كانت تتحدث العربية التي انقرضت، وحلت محلها اللغة الفارسية وظل القرآن..

وبعض الأقوال تقول إن اللغة القرآنية، التي أدخلت إليها حروف منقطة في ما بعد، دخلتها السريانية والآرامية ولغات أخرى..

فأين تلك القداسة المزعومة للغة العربية؟!..

هذا الوهم الاستعلائي الغريب الناتج من بذرة إحساس بدونية تجاه الغرب لا تجد له متنفسًا إلا في كلام من قبيل الإعجاز العلمي والإعجاز اللغوي عند العرب!!..

مما يجعل رئيس جامعة الأزهر السابق في تصريحه المدهش الذي أشرت إليه يقول إن جميع اللغات ستنقرض، لأنها تحمل بذرة موتها إلا اللغة العربية، وهذا ما جعل بعض الأساتذة في إنجلترا يكتبون أبحاثهم باللغة العربية!!

ما رأي رئيس جامعة الأزهر في قول «اليونيسكو» إن عدة لغات ستنقرض في المستقبل من بينها اللغة العربية؟!

ومن الذي يؤكد ويجزم بأن اللغة العربية هي لغة أهل الجنة؟!

وإذا صح ذلك فما علاقة أن تكون هي اللغة المعتمَدة في الجنة؟!

ورغم أنني لا أجد لهذا التخصيص المزعوم منطقًا، لكن لنقُل إنه صحيح ما علاقة ذلك بحفظها وعدم انقراضها على الأرض؟!

 

اللغة منتج ثقافي

اللغة منتج ثقافي وقوة الدولة التي تتحدث تلك اللغة تجعل الآخرين يبحثون ويهتمون بتعلمها..

ونجد هذا حتى فى اللغة الصينية الصعبة على سبيل المثال التي افتتحت لها أقسام في جامعات العالم ومن بينها مصر لأن الدولة التي تتحدثها يحتاجها سكان كوكب الأرض كلهم في أدق تفاصيل حياتهم..

وبما أننا نحن العرب في ذيل الأمم لا ننتج ولا نضيف شيئًا للحضارة، فما الذي سيجعل المواطن الذي يجهل لغتنا يجهد نفسه في تعلمها، بل نحن نجد العكس، وهو أن كل أسرة تبحث عن مدرسة إنترناشيونال لتعلم أولادها اللغة الإنجليزية بطريقة جيّدة، ولا تهمهم اللغة العربية، بل تراهم متذمرين منها..

وهم معذورون في ذلك!..

فقد أصبحت لغة متكلسة لا تتفاعل مع التقدّم والتغيير والتطور، وهناك مشكلات جمّة في بنيتها لا بد أن ينتبه إليها علماء اللغة لكي تتمكن من الاستمرار..

ليس معنى أن اللغة العربية هي اللغة التى نقرأ بها القرآن الآن أن نُضفي عليها قداسة وسرمدية خارج الزمن وفوق اللغات، وإلا فأين سنضع جمال لغة شكسبير أو رامبو أو لوركا؟

لدينا المتنبي وأبو العلاء وابن الرومي نعم وأنا أعشقهم، لكن لديهم بول إيلوار وإليوت ورسول حمزاتوف.

كفانا وهمًا واستعلاء وخداعًا للنفس.

 

المصدر:

مقال «أحبوا اللغة العربية لكن لا تقدسوها» المنشور بموقع «الوطن»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى