طاقة نور

داعش صنيعة الخطاب الديني

الابتعاد عن الخطاب الإلهي أفرز في المجتمع الجماعات الإرهابية

                                        بقلم دكتور/ حسن حماد*

 

تشهد الساحة العربية والدولية، في الآونة الأخيرة، أحداثًا إرهابية ودموية مروعة تُمارَس باسم الإسلام، وصراعات طائفية وإسلامية بين السُّـنَّـة والشِّـيعة، وربما بين السُّـنَّـة والسُّـنَّـة، فسلاح المسلمين لم يَعُد موجهًا لصدور الأعداء، وإنما أصبح مُصوَّبًا لقلوب المسلمين أنفسهم!

وقد أدت هذه الأحداث المروعة إلى ضرورة مراجعة التراث الديني الإسلامي، والتنقيب عن الأسباب الخفية التي تدفع بجماعة مارقة مثل «داعش» إلى ممارسة كل هذا الكم من القتل والإرهاب والإرعاب وترويع الآمنين وقتل النساء والأطفال الأبرياء تحت راية الإله.

تُرى ما الذي يدفع إرهابيًّا موتورًا إلى تفجير نفسه في حافلة تمتلئ بالركاب المدنيين، أو يقوم بذبح أطفال صغار لا حول لهم ولا قوة ولا ذنب لهم سوى أنهم ينتمون للمسيحية أو للطائفة الشِّيعية!

إنَّ هذه الأحداث وغيرها أدت بالكثير من الباحثين إلى القول بضرورة مراجعة الخطاب الديني وتغييره وتجديده وتحريره من النصوص والروايات والتفاسير الفقهية، التي تبرِّر كل هذا الكم من العنف والإرهاب الذي أصبح عنوانًا للخطاب الإسلامي المعاصر.

وفي هذا السياق تجيء محاولة الباحث الأستاذ «علي محمد الشرفاء الحمادي»، في كتابه «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، الصادر عن «دار النخبة للطباعة والنشر والتوزيع».

 

الفرق بين الخطاب الإلهي والخطاب الديني

وبداية يُفرِّق الباحثُ بين نوعين من الخطاب: الخطاب الديني، ويُقصد به كل النصوص التي أُضيفت للسردية المقدسة الأصلية، ونعني بها القرآن الكريم، أو بعبارة أكثر بساطة يقصد من الخطاب الديني: التراث الديني المتراكم بعد وفاة الرسول محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ حتى الآن.

وهذا التراث في حقيقة الأمر تراثٌ إنسانيٌّ تمت أسطرته، أو تحويله إلى أسطورة، ومن ثمَّ إلى مقدس، أما ما يقصده الباحث بـ الخطاب الإلهي، فهو النص المؤسس للدين الإسلامي، وهو القرآن الكريم.

ويبذل الباحث في هذه الدراسة جهدًا كبيرًا من أجل الدفاع عن هذا النص المؤسس وتبرئته من كل ما نُسب إليه من اتهامات باطلة مثل: معاداة العلم، التعصب، العنف، الجمود، كراهية الآخر، النزعة القتالية، اضطهاد المرأة… إلخ.

وفي سبيل الوصول إلى هذا الهدف يُقدِّم الباحث قراءة منفتحة ومتحرِّرة من الأطر التقليدية ذات النزعة الأحادية، مؤكدًا في كل صفحة من صفحات كتابه أنَّ القرآن لم يكن أبدًا لاهوتيًّا، ولم يؤسِّس لأي نزعة لاهوتية، وإنما هو رسالة، رسالة هدفها تحرير الإنسان من الظلم والجهل والعبودية والأنانية، رسالة تؤكد وتؤسس لمعانٍ سامية ونبيلة، مثل: الحب والتسامح والعدل والعقلانية وقبول الآخر ونشر السلام والسعي للمعرفة والعلم والإبداع والنزعة الإنسانية أو احترام الإنسان لذاته بوصفه خليفة الله في الأرض.

 

المسلمون أمام طريقين لا ثالث لهما!

ويرى الباحث أنَّ الرجوع إلى النص القرآني بوصفه المرجعية الأساسية والوحيدة للمسلمين هو الحل للخروج من المأزق الذي وضعتنا فيه المرجعيات والتفسيرات التي وضعها علماء الحديث والفقهاء، التي كانت سببًا في طمس الوجه المشرق للإسلام وتشويه صورته السمحاء.

وفي هذا الصدد، يرى الباحث أنَّ المسلمين اليوم ليس أمامهم سوى طريقين لا ثالث لهما:

إما أن نؤمن بالله الواحد الأحد وبكتابه، القرآن الكريم هاديًا ومرشدًا لنا، وإما أن نتبع الروايات التي روِّج لها ممن يسمون أنفسهم بعلماء الدين، وعلماء الحديث، وشيوخ الإسلام، وأقحموها في قناعات المسلمين وفي معتقداتهم، فكانت سببًا في تفرقهم وتشرذمهم فرقًا وشيعًا وأحزابًا يكفِّر بعضهم بعضًا ويقتل بعضهم الآخر.

ويستدل الباحث بآيات من القرآن الكريم تؤكد رؤيته في أنَّ النص القرآني هو المرجعية التي ينبغي للمسلمين أن يحتكموا لها في حياتهم وفي معاشهم، كما في قوله تعالى:

(تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق فبأي حديث بعد الله وآياته يؤمنون).. (الجاثية: 6)

بل إنَّ الرسول محمد ــ  صلى الله عليه وسلم ــ يشتكي المسلمين إلى الله لأنَّـهم هجروا القرآن وابتعدوا عن الطريق القويم، يقول تعالى:

(وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا القرآن مَهْجُورًا).. (الفرقان: 30)

وينتهي الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي في كتابه إلى نتيجة مهمة، هي أنَّ الخطاب الإلهي هو المقدس الأوحد، هو خطابٌ للأحياء وليس للأموات أو للماضي، وهذا معناه أنَّه خطابٌ متجددٌ ومتفاعلٌ مع واقع الحياة الإنسانية المتغيرة المتجددة، أو كما يقول في خاتمة دراسته:

«وبهذا يكون الخطاب ليس خطابًا للأموات، ولا هو للأمم السابقة، بل هو خطابٌ للأحياء الذين يتلون كتاب الله، ويستمعون إليه ويتفاعلون مع نصوصه، كي تتحقق الصلة بين الله وعباده بحبل من الله يمتد من الأرض إلى السماء، ولن يحدث ذلك الاتصال إلا من خلال الالتزام بتعاليم القرآن الكريم».

إنَّ القراءة التي يقدِّمها «علي محمد الشرفاء الحمادي» للقرآن الكريم هي محاولة جريئة، وجديدة، وجديرة بالتأمل والدراسة، وأهميتها تنبع من أنها تفتح الباب أمام المزيد من القراءات والتأويلات التي تُحرِّر النصَّ من هيمنة التفسيرات الأحادية والشكلانية التي صادرت النصَّ لحسابها، وساعدت على اختطافه وسرقته من قبل التيارات التكفيرية والإرهابية الظلامية.

 

_________________________

* أستاذ الفلسفة والعميد الأسبق ــ كلية الآداب ــ جامعة الزقازيق

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق