المُستقبل للمؤمنين بـ«كِتاب الله»

الطريق لا يزال مفتوحاً أمامنا لإقتحامهم وإيصال الخِطاب الإسلامي إلى عقولهم ووجدانهم

د. عماد الدين خليل

د. عماد الدين خليل

باحث ومفكر عراقي، متخصص في مجال التاريخ وله مساهمات بارزة في تصحيح وتنقية التاريخ الإسلامي مما لحقه من الشوائب.
د. عماد الدين خليل

آخر أعمال الكاتب د. عماد الدين خليل (كل المقالات)

(كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) [سورة المجادلة: 21].. هذا إذا كُنا مؤمنين حقاً بـ«كتاب الله».

وعلى كل هزائمنا الحضارية وإنكساراتنا السياسية عَبْر القرون الأخيرة..

على كل إنحسارنا وعجزِنا أمام التفوق الغربي الساحق في ميادين القوة العسكرية والتقنيات والخدمات.

فإن الطريق لا يزال مفتوحاً أمامنا لإقتحامهم وإيصال الخِطاب الإسلامي إلى عقولهم ووجدانهم، وإقناعهم بأحقيته في الإنتماء.

عُلماء ومُفكرين وفلاسِفة ومؤرخين وأُدباء وفنانين ورياضيين وساسة وإعلاميين ورجال دين وحرفيين وصُناعاً..

أغنياء وفُقراء..

بيضاً وملونين..

رجالاً ونساء..

لقد وصلت الأديان المحرفة إلى طريق مسدود، وتساقطت النُظم والدعوات الوضعية الواحدة تلو الأخرى..

ولم يبق ثمة إلاّ هذا الدين الذي يعِد بالكثير ويمكن أن يُقدم الكثير لو تمسَكنا بما ورَد في كتاب الله .

سنتقدم عندما نتمسَك بكتاب الله

إننا لن نستطيع أن نخترقهم بمنطوق القوة المُجردة، أو بقوة السلاح. فهذا لا يقول به أحد في المدى الزمني المنظور..

وذلك بسبب الفارق الأُسطوري بيننا وبينهم..

ولكنَّنا سنخترقهم بِقوة الفِكر..

بحيثيات عقيدتنا، وبمشروعنا الحضاري البديل.

إن العالم الغربي الذي أثخَنته النزعة المادية والتكاثُر بالأشياء، وفقْد الإيمان بالله واليوم الآخر، ونسي تماماً مطالب الغيب ونداءات الروح، هو بأمس الحاجة إلى من يعيده إليها..

إلى من يمنح حياته المُسطحة سر طلاوتها الضائع، كما يقول ليوبولد فايس (محمد أسد) في (الطريق إلى مكة).

لسنا نحن الذين نقول هذا وإنما الغربيون أنفسهم..

النُخب المُثقفة في عالم الغرب هي التي تقول هذا..

وتؤكد المرة تلو المرة على أنَّ عالم الإسلام سينهض ثانيةً لكي يُشارك مُشاركة فعّالة في إعادة صياغة المصير.

الإسلام يُقدِم حلول للمُشكلات التي تحكُم مصير الإنسان والمُجتمع

إن هذا الدين، كما يقول ( مارسيل بوازار) رجُل القانون الدولي الفرنسي المُعاصر في كِتابه (إنسانية الإسلام):

«يعود إلى الظهور في العالم المُعاصر بوصفه أحد الحلول للمُشكلات التي يطرحها مصير الإنسان والمُجتمع».

ولطالما أعرب عن إقتناعه «بأن في وُسع العالم الإسلامي – من بين عوالم أُخرى – أنْ يُقدم مُشاركة أساسية في تكوين المُجتمع الدولي المُرتقب».

وأنَّه «يبدو أحد العوامل المُمكنة الهامة في الإنسانية العالمية الحديثة.. وهو مُستمر في البحث عن الأشكال الكفيلة بالتعبير بصورة مُلائمة عن تطلعاته».

والمسلمون كما يؤكد الرجل «لا يشكون على الإطلاق في أنَّ التعاليم المُنَزلة والقيَم المُتراكِمة عَبْر العُصور كفيلة بتقديم حل لمُعضلات العالم المُعاصر».

ولا يفوت (بوازار) أن يشير إلى أن التقدُم العلمي المادي لا يكفي وحده ما لم تضبطه القيَم الخَلقية، فتُوجهه بالتالي لِصالح الإنسان.

ومن خِلال هذه الرؤية الأخلاقية للنشاط المَعرفي المادي يُمكن للإسلام «أنْ يؤدي دوراً حقيقياً في تنظيم. العالم المعاصر» عندما يتقدم إليه «بمفهومه السامي للقِيَم الخلُقية».

وأهمية المُشاركة الإسلامية تبدو أيضاً في نظَر ( بوازار) في التوازن الذي يمنَحه الإسلام بما أنَّه تعبير عنْ روح ديني، لمسِيرة المُجتمع البَشري، بين التقدُم المادي التِقَني، وبين المطامِح الرُوحية والإنسانية عامة.

لاسيما وأنَّ «الإنخراط في المُجتمع التكنولوجي، والمُواجهة بين الإسلام والثورة التِقَنية، لا تدفع المُسلم إلى إنكار موقفه الديني بل إلى تعميقه أمام العالم وأمام الله، مُتوجباً عليه مُحاولة إدراك الإمكانيات بِشكل أفضَل في إطار إسلامي شامل!!».

وإذ يؤكد ( بوازار) ما يُقدمه القرآن الكريم في هذا السِياق من «ثِقة مُطمئِنة وحافِز قوي في وقت معاً»، فإنَّه يُحذر من أنَّ إسلام المُستقبل ودوره في العلاقات الدوَلية «لا تجيء به الأماني والأحلام وإنما هو رَهْن بما يصنعه المُسلمون أنفسهم».

نحن بحاجة إلى «كتاب الله» أكثر من أصحاب رسول الله

ويُشير ليوبولد فايس ( محمد أسد) إلى أننا: قد نكون نحن المُحدِثين بحاجة إلى تلك الرسالة بأكثر مما أحتاج إليها الناس في أيام محمد (صلى الله عليه وسلم).

إنَّهم كانوا يعيشون في بيئة أبسط كثيراً من بيئتنا نحن، وكانت مشاكلهم ومصاعبهم، أبسط حلاً وأسهل إلى حد كبير.

لقد كان العالَم الغربي الذي كُنت أنا أعيش فيه، كُل ذلك العالم، يترَنح بسبب من فُقدان أي إتفاق على ما هو خَير، وما هو شر روحياً، وبالتالي إجتماعياً وإقتصادياً أيضاً.

إنني لم أكُن أؤمن بأنَّ الإنسان الفرد كان بحاجة إلى الخلاص، ولكنّني كنت أؤمن فعلاً بأن المُجتمع الحديث كان بحاجة إلى الخَلاص.

لقد شعرت أكثر من أي وقت مضى بأن عصرنا هذا كان بحاجة إلى أساس إيديولوجي لمستوى إجتماعي جديد:

«بحاجة إلى إيمان يجعلنا نفهم بُطلان الرُقي المادي من أجل الرُقي نفسه، ومع ذلك يُعطي الحياة الدُنيا حقها».

إيمان يُبيّن لنا كيف نُقِيم توازناً بين حاجاتنا الروحية والجسدية، وبذلك يُنقِذنا من الهلاك الذي نندفِع إليه برعونه وتهور.

جارودي يشرح المُشاركة العالمية للإسلام

كتاب رجاء جارودي: ( وعود الإسلام) يقدم مُلاحظات خصبة عن المُشاركة العالمية للإسلام.

إن عنوان الكِتاب يحمل بُعداً مُستقبلياً، وبالتالي فإن مادته القيّمة ستصُب هُناك لكي ترسُم للإنسان المُعاصر، الحائر، القلِق، ما يمكن أن تُقدمه له الخبرة الإسلامية:

«إن الإسلام يجِد من جديد فُرصة تاريخية لإظهار أن عقيدته وقَصدِياته هي إجابة على قَلَق عالَم قاده النموذج الغربي للنمو إلى التفكُك الإقتصادي والسياسي والأخلاقي».

ونحن نعرف جميعاً ما الذي فعله ويُمكن أنْ يفعله العِلم الغربي المُنفصل عن ضوابِط القِيَم وذلك بتعبده للتكاثُر والقوة.

وما الذي فعله ويُمكن أن يفعله العِلم الإسلامي المُنضبط بالأخلاق وبالغايات الدينية في نهاية الأمر:

«لم نشدّد على الوجوه التي لعِب بها العِلم الإسلامي بإكتشافاته دَور الرائد للعِلم الغربي الحالي، وإنَّما على صِفاته الخاصة في خُضوعه للوسائل الإنسانية ذات الغايات الإلهية.

في هذا المنظور على القرن الحادي والعشرين أنْ يتعلم كثيراً من الإسلام».

أيضاً فإن الإسلام بتقديمه فكرَة التَسامي الأخلاقي للإنسان كواحدة من أهم مُرتكزات الإسلام العَقَدية..

التسامي الذي يكون المؤمن فيه في حالة صَيرورة مُتواصلة نحو الأحسن والأعلى..

هذه الفكرة لهي واحدة منْ أهم ما يُمكن أن يُقدمه المُسلمون «لإيجاد مُستقبل إنساني في عالَم جَعَل إستبعاد السُمو منه، وسيطرة نموذج جُنوني من النُمو، لا يمكن أن يُعاش فيه».

ويتساءل (جارودي): «ماذا يستطيع الإسلام أنْ يُقدم لنا ليُعدّنا للإجابة على المسئوليات التي تفرضها قُدرة العِلم والتقْنية على جميع البَشَر اليوم؟!».

ولا يلبث أن يُجيب «إن المُشكلة كونية، ولا يُمكن للجواب إلاّ إن يكون على المستوى الكَوني».

إنها إذن «قضية مُستقبلنا، قضية مُستقبَل جميع البشر».

ومن ثمّ فإنَّ كِتاب (وعود الإسلام) يُعدّ بحق «إقتراباً جديداً من الإسلام ومن وراء الإسلام» كقوة حية ليس فحسْب في ماضيه، وإنما في «كل ما يستطيع أن يُساهم به في إبتكار المُستقبل».

حقاً إن الإسلام والمشروع الحضاري الذي يُعبر عنه بالضرورة لَيحملان «بذور تغيير جَذري على مستوى الإنسانية».

 

 

المصدر:

مقال «المُستقبل لهذا الدين»، المنشور بموقع نوافذ.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق