تصويب الخِطاب الديني (4)

المُجدِدون تعرضوا لحروب ومُضايقات من المُتشددين

حلمي النمنم

حلمي النمنم

كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982 وتولى منصب وزير الثقافة في عام 2015.
حلمي النمنم

آخر أعمال الكاتب حلمي النمنم (كل المقالات)

ربما يكون الرئيس “عبدالفتاح السيسي”، هو أول رئيس جمهورية يهتم ويَلِح على قضية التجديد «تصويب الخِطاب الدينى»..

منذ أنْ طرحها أول مرة سنة 2014، وكان يُخاطب عُلماء الدين فى مُناسبة الإحتفال بالمولد النبوى الشريف..

وعلى الأغلب فإنَّ الرئيس لا ينطلق فى إلحاحه منْ موقف أيديولوجى أو موقف نظرى..

بل بناءً على مشاكِل فى الواقع لامسها بنفسه حينَ تولىَ الرئاسة، وربُما قبَل ذلك..

رأى عمليات القتْل والإرهاب التى تقوم بها الجماعة الإرهابية بحق الضُباط والجُنود فى سيناء، فضلًا عن المدنيين..

وتابع كذلك عملياتهم الإرهابية بِحق المُواطنين الأقباط، بما يُمثل هدمًا لنسيج المُجتمع..

ورأى كذلك مُحاولات تخريب وهدْم المؤسسات والمُنشآت العامة، بما يَعنيه ذلك مِنْ هَدْم الدولة والعمل على إسقاطها تماماً..

وكذلك الخسائر الإقتصادية التى تنتُج عنْ تلك العمليات، تراجُع السياحة وهُروب الإستثمار والمُستثمرين، بما يؤدى إلى مزيد من الإفقار لبعض فئات المُجتمع التى تستفيد وتتعيّش من السياحة وعوائدها..

وفى المشهد كذلك الدول التى أنهكَها التطرُف والإرهاب، والدول التى سقَطت بالفعل من جرّاء المُتشددين والإرهابيين.

عدَم تصويب الخِطاب الديني خلَق الإسلاموفوبيا

وأشار السيد الرئيس أكثر من مرة إلى حَجْم الإساءة التى تُسببها تلك العمليات الإرهابية إلى الإسلام والمُسلمين حولَ العالم، خاصةً فى المُجتمعات الغربية، مما أدى إلى تضخُم ظاهرة «الإسلاموفوبيا».

وتساءَل أكثر من مرة: هلْ من المعقول أنْ يُحاول مليار أو أكثر قليلاً فرْض تصورهم وإختيارهم على أبناء الكُرة الأرضية جميعاً، بما يعنى الإستياء منْ رَفْض التعدُد والإختلاف، والإصرار منْ قِبَل المُتشددين على فَرْض تصوراتِهم على الإنسانية كلها..

قضية « تصويب الخِطاب الديني » مطروحة منذُ زمن بعيد، كان يتبناها كُتاب وعُلماء ومُفكرون.

منذ رسالة “رفاعة رافع الطهطاوى “التى نَشرها فى مجلة «روضة المدارس»، قبْلَ حوالى قرن ونصف بعنوان «القول السديد فى الإجتهاد والتجديد».

ولكنْ هذه المرة لا يطرح القضية كاتب ومُفكر أو عالِم، بل رئيس الجمهورية أو «ولى الأمر» بالتعبير الفقْهى، وهذا ما يُعطيها زخَما، ويضمن لها أن تتحقق وتتحول إلى سياسات على الأرض وخُطوات فعلية تُتخَذ.

والأمر المؤكد أنَّ الرئيس أحرَج العُلماء أدبياً، هو لم يأمُر ولم يوجِه ولم يُصدر تعليمات واجبة النَفاذ، لكنَّه طرَح مَطلباً بأسلوب أخلاقى دمِث وعَف، وإكتفى بالقول «سوف أُحاجِيكم أمام الله يوم القيامة».

والأمر المؤكد أنَّ مُعظم العُلماء يُقدرون الرئيس ويُحِبونه، ولكنْ هم لديهم مُشكلات كثيرة مع التجديد، وبعض هذه المُشكلات بِلا حل إلى اليوم، وهى قائمة مُنذ قُرون..

 

مفهوم التجديد عند بعض العُلماء

قبل ثلاثة أعوام بالضبط، تناقَشْت فى حضور عدد محدود من الزُملاء مع شَيخ وعالِم جَليل فى مسألة تصويب الخِطاب الدينى، فقال بالحَرف «دعنا من التجديد وغيره، هُناك خَطر شديد على “الأزهر” وعلى الدولة والمُجتمع والمِنطقة كلها، هذا الخطر يتمَثل فى السلَفيين.. هم أخطر منَ الإخوان».. هكذا قال بالحرف؛ وقُلت له: إنَّ التجديد يضمَن لنا تراجُع هؤلاء وأولئك.

وهناك فَريق آخر يرى أنَّ التجديد يعنى «إحياء السُنة وإماتَة البِدعة»، وِفق تعبير د.” حمدى زقزوق ” فى كتاب صدَر له مُؤخراً، وهذا التعريف يقود فى النهاية إلى رَفْض التجديد والوقوف ضِده، لأنَّه يتجاهل الواقِع بِكل مُعطياته ومُستجداته ويَذهب إلى فترة بِعينِها هى فتَرة حياة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) والصحابة الأوائل، حيثُ كان الواقع مُختلفاً تماماً والتَحدِيات ليست هى نفسَها.

هذه المواقف وغيرِها جعَلت من “الأزهر” مؤسسة مُحافظة، يخشى كثيرون فيها التجديد ويَشعرون بالقلَق منه، وتأمّل كثير منَ المواقِف فى عصرِنا الحديث، رفضوا فى القرن التاسع  عشر طِباعة المُصحف، لأنهم  إعتبروا المطبعة قطع من الحديد، ليس مُطهراً،  وعُمالها  ليس مضمون طهارتهم وتَقواهم، وكان أنْ أمَرَ(محمدعلى) بطباعة المُصحف دون موافقتهم، وإستغرق الأمر عقوداً طويلة حتى إستقر أمر طِباعة القرآن الكريم.

نفس الأمر حدَثَ حينَ قرر (الخديو إسماعيل ) إلغاء الرِق والعُبودية وإغلاق سُوق العَبيد وسُوق الجوارى بالقاهرة، فقد إعترض بعض المَشايخ بِشدة، لأسباب لا تحتمِل هذه المساحة ذِكْرها بالتفصيل، لكنَّه إتخذَ القرار، واحترم الجميع القرار، وحققَت مصر سبْقاً حضارياً فى المِنطقة بهذه الخُطوة الجَسورة منْ (إسماعيل باشا).

وسوف نُلاحظ أنَّ المُجَددين منْ داخِل الأزهر، مثل الشيخ (محمد عبده)، كانوا يتعرضون لحروب ومُضايقات من فريق المُتشددين داخِل المؤسسة، عانى (محمد عبده )كثيراً، وتمَ تكْفيره واعتُدِى عليه مرة بالضرب، وعند وفاته دعا بعضهم إلى عدم الصلاة عليه، ولما توفى شيخ الأزهر (مصطفى عبدالرازق) بأزمة قلبية مُفاجئة بعد عَودته من المَشيخة إلى المنزل، كتبَ (حسن باشا يوسف)، وكيل الديوان الملكى، فى مُذكراته أنَّ مُكايدات المشايخ له أودت بحياته.. وحين استضاف د. (أحمد الطيب)  أعداداً من المُثقفين فى مكتبه لِوضْع وثيقة الدولة المدَنية، تعرَض لتهجُم من بعضهم وأُظن أنَّه مازال يتعرَض منهم لبعض المُكايدات.

ومع ذلك فإنَّ الإلحاح والدَفْع نحو التجديد، جعل الأزهر يقوم بمراجعة مناهِج المَعاهد الأزهرية، وتمَّ حَذْف كثير مما كان موضِع الشكوى فيها من المُراقبين والمُتابعين، خاصةً فيما يتَعلق بغير المُسلمين.

 

المصدر:

مقال «تجديد الخطاب الديني – 4»، المنشور بموقع المصري اليوم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق