التقيّة عند الجماعات المتأسلمة

حسن البنا إستعمل هذا المبدأ فى توجيه أتباعه

د. عمار علي حسن

د. عمار علي حسن

كاتب وباحث مصري، له العديد من الإسهامات الفكرية في كشف زيف ما يسمى بـ«الإسلام السياسي» والجماعات والتنظيمات الأصولية.
د. عمار علي حسن

آخر أعمال الكاتب د. عمار علي حسن (كل المقالات)

يحكي قادة جماعة الإخوان الإرهابية لشبابها، حين يسألونهم عن تأصيل شرعى للتقيّة، حكاية تقول:

«إن ملكاً كان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إنى كبرت فابعث إلى غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان فى طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه، وكان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب وقعد إليه، فيضربه الساحر لتأخره، فشكا ذلك إلى الراهب فقال له: إذا خشيت الساحر فقل: حبسنى أهلى، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسنى الساحر».

التقيّة عند جماعة الإخوان وبعض الفصائل المُتطرِفة لا تعنى فقط الكذب على طريقة القصة السابقة..

إنما تمتد إلى الخِداع والمكْر والتربُص..

وتحيُّن الفُرص وإنتهازها بلا تردد وِفق المبدأ النفعى الذى يقول: «الغاية تبرر الوسيلة»..

وهو ما لا يُقره الإسلام أبدًا.

ورغم أن التقيّة فى الأساس مبدأ يؤمن به معتنقو نظرية ولاية الفقيه..

فإن (جماعة الإخوان) وبعض الجماعات الدينية السياسية سُنية المذهب تعتنقه، وتُبدى اقتناعاً عميقاً به، وتُردد تعريفه الشائع الذى يطلب ممن يمارسه أن يقول أو يفعل غير ما يعتقد، ليدفع الضرر عن نفسه أو ماله..

بل تردد ما هو أفدح حين يقول أتباع هذه الجماعات: «يغفر الله للمؤمن كل ذنب، يظهر منه فى الدنيا والآخرة، ما خلا ذنبين: ترك التقيّة، وتضييع حقوق الإخوان».

وآمن مؤسس الإخوان (حسن البنا) بالتقيّة وإعتبرها من أُسس العمل الحركى للجماعة، وأنه يساعدها بمرور الوقت على الوصول إلى التمكين، مارة فى سلام إلى مُبتغاها من بين صفوف من يراهم «كُفارا».

ووصفْ كُفار هنا ليس فيه مُزايدة ولا تجنِّ على (جماعة الإخوان) ومن لف لفها فيما يخص مسألة التقيّة..

إنما هى حقيقة دامغة..

فكَونَ الإخوان يمارسون هذا المبدأ، فهذا دليل على أنهم يرون من حولهم، حتى لو كانوا من المسلمين، ليسوا بمؤمنين.

فالرازى يقول: «التقيّة إنما تكون إذا كان الرجل فى قوم كفار، يخاف منهم على نفسه وماله فيُداريهم باللسان، بألا يظهر العداوة باللسان، بل يجوز أيضا أن يظهر الكلام المُوهِم للمحبة ولكن بشرط أن يُضمِر خلافه، وأن يعرض فى كل ما يقول».

ومِثلُ هذا القول هو الذى برر به بعض الفقهاء مسألة التقيّة، التى تعنى فى أساسها محالفة الآخرين ومعاشرتهم ظاهريا، بينما القلب مطئمن بالعداوة والبغضاء..

وهى لا تُمارَس إلا إن كان للكافر على المؤمن سلطان فيخافه على نفسه وماله..

وهو ظرف لم تمر به (جماعة الإخوان) أبدا، لأنها موجودة وسط مجتمعات مسلمة بالأساس.

وفى حياة (حسن البنا) إستخدم التقيّة مرات عديدة..

فقد راح يُداهن (الملك فؤاد،) ووصفه بأنه «ذُخر للإسلام».

وحين جاء ابنه (فاروق) حشد له (البنا) فرق الإخوان فى الطرقات لتهلل له وتهنئه على سلامة العودة إلى البلاد كى يتسلم مقاليد الحكم.

ولما خرج المصريون غاضبين مما وصل إلى أسماعهم عن فساد فاروق الأخلاقي، إنبرى البنا ليصفه بأنه «الرجل الذى ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه»..

بل وصل الأمر بالإخوان فى نفاقهم للملك أن ردوا هاتفين: «الله مع الملك» على المتظاهرين الذين خرجوا لمناصرة (مصطفى النحاس) زعيم الوفد قائلين «الشعب مع النحاس».

والبنا الذى يُجيز التقيّة لأنها جائزة فى الحرب، إستعمل هذا المبدأ حتى فى وجه أتباعه..

فحين قام فصيل من التنظيم الخاص بعمليات قتل وتخريب وإنكشف أمره قال عنهم «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين».

وسار مرشدو الجماعة على هذا الدرب، حتى وجدنا (مأمون الهضيبى) يقف فى البرلمان عام 1987 مبايعًا (مبارك ) قائلا له: «وجدناك شريفاً فبايعناك، ووجدناك أميناً فبايعناك، ووجدناك وطنياً فبايعناك»..

وما إن خرج المصريون ضده فى ثورة 25 يناير حتى قفز الإخوان على الثورة، ونعتوا (مبارك) بكل نقيصة، مؤكدين أنهم كانوا طيلة فترة حكمه يمارسون التقيّة فى التحدث عنه، والتعامل معه.

وتمتد التقيّة إلى تعامل الإخوان مع مختلف القضايا السياسية..

فهم يروجون لإنحيازهم إلى الديمقراطية، بما تتطلبه من حرية تعبير وتعددية حزبية، لكنهم يضمرون فى أنفسهم ما هو نقيضها، لكنهم يكتمونه لحين حيازة السلطة..

والدليل على هذا أن الجماعة لا تطيق أى شخص منها ينتقد أفكارها أو تصرفات قادتها، وتطرده منها شر طردة، وتتعقبه وتشوه صورته.

ويتكلم الإخوان عن أنهم يقرون بأحقية غير المسلمين فى تولى المناصب القيادية، إن وصل الإخوان إلى الحكم إستنادا إلى مبادئ المواطنة، لكن زلات ألسنتهم أحيانا تفضحهم حين يتحدثون عن عدم جواز ولاية غير المسلم على المسلم، وعن الذمية.

وتبلغ التقيّة أشُدّها مع تنظيم شديد التطرُف هو «حزب التحرير»..

والذى يعطى حرية كاملة لأعضائه أن يستعملوا كل الوسائل المتاحة فى المراوغة والتمويه والإختباء، بما فيها التردد على الملاهى والخمارات وبيوت الدعارة، مطمئنين إلى فتاوى لقادتهم تبيح لهم أن يفعلوا أى شىء فى سبيل عدم لفت أنظار أجهزة الأمن إليهم.

إن التقية عند كثير من أتباع التيارات المتطرفة هى قناع ليس فقط عن حيطة وحذر إنما رغبة فى خداع الآخرين بل إستغفالهم..

حتى لو أدى هذا إلى صبغ كلام المتطرفين بكل علامات النِفاق الرخيص، وكل أفعالهم بما يخالف شريعة الإسلام وقيمه وتعاليمه.

 

 

المصدر:

مقال «التقية عند الجماعات الدينية طالبة السلطة»، المنشور بموقع المصري اليوم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق