بيضاء للناظرين (1-2)

لزينة المرأة ثلاثة جوانب يُدرَك كلٌّ منها من السياق المحيط

عدنان الرفاعي

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

     هذا المقال

كانت وستظل المرأة محور اهتمام ورعاية الشريعة الإسلامية، فهناك آيات عدة توصي بالمرأة وتنظم لها حياتها وتحفظ حقوقها.

ويأتي هذا المقال ليتناول واحدًا من الجوانب المهمة في تنظيم حياة المرأة، وعلاقتها بمن حولها من الذكور سواء كانوا رجالًا أو أطفالًا.. مُحرّمين عليها أو يحلون لها..

وهذا بالطبع وفقًا لما فهمه الكاتب من دراسته المتعمقة لآيات القرآن الكريم التي تعرضت للنساء وزينتهن وحقوقهن وما عليهن من واجبات.

 

جوانب زينة المرأة في القرآن الكريم

كلمة: (زينتهنَّ)، تَرِد في كتاب الله تعالى (3) مرّات، كلُّها ضمن عبارات تَرِد في هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد دراستها:

(وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]..

.. وبالتالي.. ترسم لنا – هذه العبارات – ثلاث صور (من المعاني والدلالات) من الجوانب المحمولة بهذه الكلمة: (زينتهنَّ)..

فكما رأينا – في بحث مسألة العبيد وملك اليمين – أنَّ للإحصان ثلاثة جوانب (إحصان إسلام – إحصان عفّة وطهارة – إحصان زواج) يُدرَك كلٌّ منها من السياق المحيط..

كذلك.. فإنَّ لزينة المرأة ثلاثة جوانب، يُدرَك كلٌّ منها من السياق المحيط..

وهذه الجوانب.. مذكورة في الآية الكريمة قيد الدرس [النور: 31]:

1 – العبارة الأولى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاۖ)، نرى فيها الاستثناء: (ما ظهر منها)، استثناءً من الزينة ذاتها: (زينتهنَّ)، وليس استثناءً لرجال محدَّدين..

بمعنى: ما علا وبان – هو – بطبيعته، من زينة المرأة، دون تكلّفٍ منها أو تصنّع..

وهنا يتعلَّق الأمر بوجهها الذي هو هويّتها التي تُعرف بها.

وهذا ما نراه في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الأحزاب: 59]..

فهذا الجانب من جوانب زينة المرأة: (زينتهنَّ)، يتعلَّق بما يُسمَح لها أن تُبديه من جسمها، أمام كلِّ الناس دون استثناء، وهو ما يظهر بطبيعته دون تكلّف منها وتصنّع، كوجهها ويديها..

هذا الجانب من زينة المرأة، نعم يتعلَّق بجسمها.. لكن.. تُبدي منها (ما ظهر منها) ولكلِّ الناس دون استثناء..

ولا علاقة لذلك بمفاتنها المثيرة لشهوة الرجال.. إطلاقًا..

المعنى الثاني لمصطلح زينة المرأة

2 – العبارة الثانية: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو….).. نرى فيها أنَّ الزينة: (زينتهنَّ) التي تُبديها للمذكورين في هذه المسألة كمسألة من جملة المسائل المعطوفة على الأمر الإلهي: (وقل للمؤمنات)، لا يمكن أن تتعلَّق بجسمها كمفاتن أنثى.. إطلاقًا..

بدليل أنَّه لا استثناء لأيِّ جانبٍ من الزينة المعنيّة في هذه العبارة..

ما نراه أنَّ الزينة التي تُبديها المرأة أمام المذكورين في هذه المسألة، لا استثناء فيها: (زينتهنَّ)..

وهذه الزينة التي تُبديها أمام المذكورين، يُجمَع في إبدائها بعلُ المرأة مع غيره ممّن هم أصلًا ليسوا محرَّمين عليها.

فهؤلاء المذكورون خلف بعلها يُعطفون عليه، في إبدائها لهذه الزينة دون استثناءٍ منها…

وبالتالي… فهم مُشتركون (معه) في إبدائها لهذه الزينة… ولا يمكن لعاقل أن يضع مَن هو ليس محرَّمًا أصلًا على المرأة (وحتّى المحرّم عليها) في سويّة ما مع بعلها، في مسألة تتعلّق بمفاتنها، كأُنثى:

(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِۖ)

.. وممّا يتعلَّق بما نذهب إليه في تفسيرنا لهذا النصِّ الكريم، هو ورود صيغة (البعل): [(لبعولتهنَّ)، (آباء بعولتهنَّ)، (أبناء بعولتهنَّ)]..

لماذا استخدم الله صيغة «البعل»؟

فصفة البعل تُضيء جانب الالتزام المعنوي والإخلاص السلوكي، من العلاقة الزوجيّة…

وهذا ما نراه في الآية التالية، حيث النشوز والإعراض يتعلّقان بالتفاعل الإنساني، وبالسلوك:

(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًاۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌۗ…) [النساء: 128]

.. وهذا ما نراه – أيضًا – في قول امرأة إبراهيم عليه السلام، بوصف إبراهيم عليه السلام بعلًا لها، دون صفة الزوجيّة، كون علاقتها معه كزوجيّة (كأُنثى مقابلة له كذَكَر) ليست بأهليّة الإنجاب، بسبب كونه شيخًا كبيرًا فوصفها له بالبعولة يتعلَّق بالعشرة والتفاعل الإنساني والسلوك، بعيدًا عن أهليّة الإنجاب… وبُعدُه عليه السلام عن أهليّة الإنجاب كذكر يقابلها كأُنثى، يُقابل وصفها لنفسها بأنّها عجوز.. لذلك.. رأت تبشيرها بالولادة بأنَّه شيء عجيب، سواء بسبب كونها عجوزًا، أم بسبب كونه شيخًا:

(قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ) [هود: 72]

.. وفي حال عدم وجود العلاقة الزوجيّة (كلقاء ذكورة وأنوثة) بين الزوجين (نتيجة الفراق بينهما) ووجود جنين في بطن المطلَّقة، ممّا يرتِّب التزامًا سلوكيًّا وأخلاقيًّا، على الرغم من حالة الطلاق (وقد بيّنت ذلك بالتفصيل في كتاب: المعجزة الكبرى)، نرى ورود صيغة البعل:

(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًاۚ…….) [البقرة: 228]

.. وهذا ما يتجلّى معنا في وصف الصنم الذي يعبده المشركون بالبعل، كون المشركين يُشركونه عقيدةً وفكرًا وثقافةً، كما هي شراكة المرأة مع بعلها، وطاعتها له، كتفاعل إنساني، وكسلوك:

(أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ) [الصافّات: 125]

هذه هي كلّ مشتقّات الجذر (ب، ع، ل) في كتاب الله تعالى..

الأبعاد المعنوية لفتنة المرأة للرجل

ما أودّ قوله أنَّ استخدام صيغة البعل: [(لبعولتهنَّ)، (آباء بعولتهنَّ)، (أبناء بعولتهنَّ)]، هو في سياق وصف علاقة المرأة مع زوجها، من زاوية الأخلاق والسلوك والحضور والطمأنينة..

وليس من زاوية علاقة التواصل كذكورة وأنوثة، وما يتعلَّق بذلك من مفاتن للمرأة… فهذا الورود (بصيغة البعل) ليس عبثًا..

.. إذًا.. الجانب الذي تُضيئه كلمة: (زينتهنَّ): في العبارة الثانية: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو…………)، يتعلَّق ببهجتها، وطمأنينتها، في حضورها مع المذكورين، كونهم مأموني الجانب تجاهها.. ولا يتعلَّق إطلاقًا  بمفاتنها الجسميّة كأنثى..

.. فتنة المرأة للرجل، ليست متوقِّفة – فقط – على إبدائها لمفاتن جسمها المثيرة لشهوات الرجل..

فتنة المرأة للرجل لها أبعاد معنويّة، لا تقلّ عن إبدائها لمفاتن جسمها، ومن ذلك ما نراه في قوله تعالى:

(يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا) [الأحزاب: 32]

.. حتّى أمام الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء، لا بدّ للمرأة المؤمنة أن تكون حاضرة بعفّة وطهارة، في قولها، كون أولئك الأطفال لن يبقوا أطفالًا، ولهم ذاكرة..

فحتَّى نساء النبيّ عليه السلام (واللاتي هنّ أمّهات للمؤمنين) يأمرهنَّ الله تعالى بقوله: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا) رابطًا التزامهنَّ بهذا الأمر بالتقوى: (إن اتقيتنَّ)..

وهذا ممّا يأمر الله تعالى به المرأة في العبارة الثانية قيد الدرس: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو…………)…

وهذا ممّا يتعلَّق بكون بعض المذكورين – في هذه العبارة – ليسوا من المحرّمين على المرأة.. ولكن.. يُؤمَن جانبهم..

المصدر:

من مقال «بيضاء للناظرين»، المنشور بالموقع الرسمي للمهندس عدنان الرفاعي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق