الحكمة القرآنية من تحويل القِبلة

التوجه للبيت الحرام أعاد ترتيب العلاقات بين المسلمين وغيرهم

لم يكن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة (البيت الحرام) مجرد حدث تقليدي أو عابر في مسار الدعوة الإسلامية، بل حقق للإسلام العديد من الأبعاد الاستراتيجية.

فتحويل القبلة والذي تمر علينا هذه الأيام ذكرى التوقيت الأشهَر لحدوثه، وهو منتصف شهر شعبان، كانت مرحلة مفصلية في تأسيس الدولة الإسلامية.

كما أنه كان سببًا في إعادة ترتيب العلاقة بين المسلمين وحلفائهم وكذلك أعدائهم، وحققت الدولة الإسلامية، حديثة التأسيس في المدينة المنورة، أبعادًا استراتيجية مهمة من خلاله.

كان النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأصحابه، عندما شرعت الصلاة، يتوجهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، وهي ذات القبلة التي يتوجه إليها اليهود في طقوسهم التعبدية.

ورغم أن القبلة المشتركة بين المسلمين واليهود، كانت أحد أسباب التقارب الظاهري بين المسلمين الأوائل، وهم قلة عددية، وبين أهل يثرب من اليهود، وهم غالبية سكان المدينة، إلا أن الرسول الكريم كان غير راض عن ذلك، ويتمنى التوجّه في صلاته إلى قبلة أبو الأنبياء، إبراهيم، (عليه السلام).

ويوثّق الله في كتابه العزيز تلك الحالة، التي كان عليها رسول الله، في سورة البقرة، فيقول سبحانه: «قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» (البقرة: 144).

كان قد مر على وصول الرسول إلى يثرب، عام ونصف العام تقريبًا (ما بين 16 و18 شهرًا)، وخلال تلك الفترة كان النبي وأصحابه يتوجهون لقبلة بيت المقدس.

الرسول يُناجي ربه

وخلال تلك الأشهر كان الرسول يناجي ربه صامتًا، متمنيًا الصلاة إلى قبلة إبراهيم، وهي الكعبة (بيت الله الحرام)، حتى تكتمل المرحلة الأخيرة في رسالة رب السماء إلى أهل الأرض، والتي بدأت من نوح وإبراهيم ومرت بكل الأنبياء وصولًا إلى خاتم المرسلين، محمد (صلى الله عليه وسلم).

ونزل قول الله تعالى في سورة الشورى: «شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ (13)».

وهكذا حانت اللحظة الحاسمة لاختبار قوة إيمان من اتبعوا الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وكذلك لحظة حسم الله لذلك الجدل الدائر بين المسلمين وأهل الكتاب، عن سبب بعثة النبي، في غير اليهود كما كان الحال قبله، خاصة وأن النبي محمد هو خاتم الأنبياء والمرسلين.

فكانت الآية التالية من سورة الشورى، توضح أن أتباع الديانات السابقة، قد تحزّبوا وتفرّقوا إلى مذاهب وطوائف: «وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (14)».

والآن بعد أن صار الأمر أكثر وضوحًا، اليهود والنصارى ليسوا على صواب، وفرّقوا دينهم، وحرّفوا عقيدتهم، فهل من العقل والمنطق أن يتبعهم النبي محمد (صلى الله عليهم وسلم)؟.. بالتأكيد لا.. فلن يكون مشتركًا معهم لا في ملة.. ولا في قبلة.

فكانت الآية التالية حاسمة للأمر أكثر: «فَلِذَٰلِكَ فَادْعُۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْۖ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَاۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)».(الشورى)

دستور واضح المعالم يبين طريقة تعامل الرسول مع من اتّبعه من المسلمين، وكذلك مع من يتعامل معهم من أهل الكتاب، بل هو وثيقة ربانية تضع ضوابط للعلاقة بين المسلمين وأتباع الديانات السابقة، وصارت العودة للفطرة الدينية أمرًا حتميًا بالقول والفعل، وليس القول فقط.

فكان الأمر الإلهي بتحويل القبلة إلى (الكعبة)، والتي كان أبو الأنبياء إبراهيم (عليه السلام)، يصلي إليها..

إبراهيم أبو المسلمين ومن أطلق عليهم هذا المصطلح، كما قال تعالى في كتابه الكريم: «وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ» (الحج: 78).

الحكمة من تحويل القبلة

لقد كانت هناك حكم إلهيّة عديدة وعظيمة في جَعْل قبلة المسلمين أول الأمر إلى بيت المقدس، كما يصلي اليهود، ثم تحويلها إلى الكعبة، كما كان يصلي نبي الله إبراهيم، ومنها أنها كانت محنة للجميع.. المسلمين والمشركين واليهود والمنافقين:

فأما المسلمون، الذين صدَق إيمانهم لله واتّبعوا النبي بصدق ويقين، فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا: «…آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا» (آل عمران: 7).

وذلك لأنهم يؤمنون بأن التكليفات التي ينقلها لهم رسول الله، هي من رب العزة، ولا يحق لهم التشكيك فيها أو عدم الامتثال لها.

بينما المشركون والذين كانوا يحجون إلى الكعبة، ويزعمون أنهم يعبدون رب إبراهيم، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا، يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا لأنها الحق، متوهمين أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) إنما فعل ذلك حُبًا في مكة التي ولد وعاش بها، وتراجعًا عن دعوته الجديدة، وخاب ظنهم فقد كان تحويل القبلة أمرًا إلهيًا.

وأما اليهود والذين كانوا يستوطنون المدينة ويتوهمون أن وحدة القبلة (بيت المقدس) بينهم وبين النبي الجديد، هي اعترافًا ضمنيًا بتبعيته لهم ولأحبارهم، ولكن تحويل القبلة للكعبة زلزل كيانهم، فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله (يقصدون أنبياء بني إسرائيل)، ولو كان نبيًّا، لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء.

بينما المنافقون، والذين كانوا يدّعون أنهم مؤمنون بما أُنزل على محمد، (صلى الله عليه وسلم)، ولكنهم في الحقيقة يقولون ذلك بأفواههم أما قلوبهم فكانت تكذّب الدعوة، فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه، إن كانت القبلة الأولى حقًّا (يقصدون بيت المقدس)، فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق (يقصدون الكعبة)، فقد كان على باطل، وكثُرت أقاويل السفهاء من الناس.

وهكذا فقد كان تحويل القبلة من بيت المقدس للكعبة المكرمة، محنة من الله امتحن بها عباده المؤمنين؛ ليرى من منهم يتبع الرسول على يقين، ومن منهم سوف ينقلب على عقبيه خاسرًا الدنيا والآخرة.

فكان الزلزال الذي ضرب المجتمع الإسلامي الوليد، وكشف معادن أهله ومن يحيطون بهم من الحلفاء والأعداء، وكان تحويل القبلة كما قال الله تعالى أمر جلل: «…وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ…» (البقرة: 143).

أبعاد استراتيجية تحققت من تحويل القبلة

لم يكن الهدف الإلهي من تحويل القبلة هو فقط اختبار قوة إيمان المسلمين، رغم أن ذلك كان مطلوبًا وبشدة لأنه كان يسبق غزوة بدر بأيام، ولم يكن المسلمون ليخوضوا تلك المعركة المهمة دون قوة إيمانية تساندهم وتشد من عضدهم.

ولكن كانت هناك أبعادًا استراتيجية عديدة، تحققت للإسلام والمسلمين، من جرّاء التوجّه للقبلة الإبراهيمية، وتنوعت تلك الأبعاد ما بين الديني والتاريخي.

فأما البعد الاستراتيجي الديني من تحويل القبلة، فكان أنها ربطت قلوب المسلمين بالحنيفية، ملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وميّزت الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم السابقة، وكذلك جعلت للعبادة في الإسلام رونقًا خاصًا بها يختلف عن العبادة في بقية الأديان السابقة.

يقول تعالى: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68)» (آل عمران»

وأما البعد الاستراتيجي التاريخي، من تحويل القبلة، فكان أيضًا مرتبطًا بإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهو أنها ربطت هذه الدولة الإسلامية الوليدة في يثرب (المدينة المنورة) بالإرث العربي لإبراهيم أبو الأنبياء وابنه أبو العرب إسماعيل (عليهما وعلى نبينا محمد الصلاة والسلام).

يقول تعالى: «رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» (إبراهيم : 37).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق