بذور الفتنة

السلام والرحمة على كل الوطن مسيحييه ومسلميه

ثروت الخرباوي

ثروت الخرباوي

محام ومفكر مصري، وباحث متخصص فيما يسمى بجماعات الإسلام السياسي، وأهم ما يميز كتاباته أنه شاهد على انحرافات تلك التنظيمات حيث انضم خلال شبابه إلى جماعة الإخوان الإرهابية، ثم تأكد من شرودها عن المنهج الإسلامي القويم، فتركها كاشفًا حقيقتها للمخدوعين بها من خلال عدد من الكتب والمقالات واللقاءات التليفزيونية.
ثروت الخرباوي

آخر أعمال الكاتب ثروت الخرباوي (كل المقالات)

يقدم بعضهم لنا إسلامًا غريبًا لا نعرفه ولا يعرفنا..

هم في الواقع لا يقدمون لنا إسلامًا، ولكنهم ينفثون في حياتنا عاهاتهم النفسية وقلوبهم المريضة ثم يقولون للناس: «هلموا إلينا فنحن نمتلك الإسلام في أنقى صوره»!!

ولكن إسلامهم الذي به يتعدون، ليس هو الإسلام الذي يخاطب الفطرة النقية.

إسلامهم هذا فيه اعتداء وضرب وقتل، فيه غياب للمروءة والنخوة.

إسلامهم الذي يواجهون به مجتمعهم ليس هو إسلام التّحاب والدعوة والحكمة والموعظة الحسنة، ولكنه إسلام يدعو للقتال وكأنهم يعيشون في أمة كافرة محاربة للدين.

إسلامهم لا ينهاهم عن الكذب فيكذبون، لا ينهاهم عن الخديعة فيخدعون، لا يحضهم على مكارم الأخلاق فيلمزوننا وينابزوننا بالألقاب، يعدون ويخلفون الوعد.

إنهم ينفثون الفتنة في بلدنا

لم يكفهم هذا بل أخذوا ينفثون الفتنة في البلاد، ففي درس شهير لأحد مشايخهم، سأله سائل: هل يجوز أن ألقي السلام على المسيحي؟!

فقال الداعية أو الداهية: إذا قابلت النصراني فلا تحيّه بتحية الإسلام قل له أي تحية، صباح الخير أو صباح الفُل وإذا وقع في مشكلة لا مانع أن أقدم له يد المساعدة، فقد (دخل رجل الجنة في كلب سقاه).

ثم استطرد الشيخ الذي شيّخوه: يا أخي! نزِّل هذا منزلة ذاك!!.

هذا ما يقوله دعاتهم للبسطاء: عامل المسيحي كما تعامل الكلب!

هل هذا إسلام؟، وهل هذا الهراء ينتمي لدين الفطرة النقية السليمة؟!.

وكنت قد قرأت لهذا الشيخ فتوى أجاز فيها الزواج من أهل الكتاب مسيحيين أو يهودًا، فأرسلت إليه أسأله: وهل يجوز يا شيخ أن يلقي الزوج المسلم السلام على زوجته الكتابية خاصة أن الله جعل الزواج مودة ورحمة؟

وهل يجوز له أن يلقي السلام على أهل زوجته أم أنه لا يجوز له إلا أن يبادرهم بـ(صباح الخير يا خواجة)؟

فلم يرد هذا «المتشيّخ»!.

يحرمون ما أحل الله

ليس في فقه هؤلاء إلا الحرام والحرام، يحرمون السلام على غير المسلم مخالفين بذلك قرآننا ويبدو أن الله أعمى بصائرهم عن النبع الصافي للشريعة، فلم يروا قول الله سبحانه على لسان إبراهيم وهو يخاطب أباه الذي لم يتبع رسالته «قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا» (مريم : 47)

وقوله تعالى: «وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَاۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا» (النساء : 86)..

ورد التحية هنا على العموم لم يستثن الله فيها أحدًا.

وقوله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَاۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (النور : 27).

ولفظا بيوت وأهلها هنا جاءا على العموم.

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يلقي السلام على أهل الكتاب ويرد تحيتهم بأحسن منها.

وكان الإمام «عامر الشعبي» قاضيًا في زمن سيدنا عمر بن عبدالعزيز واشتُهر عنه أنه كان يبتدر غير المسلمين بالسلام، قائلًا: وعليك السلام ورحمة الله تعالى، فقيل له لماذا تقول ذلك فقال: أليس في رحمة الله نعيش؟.

نعم نحن نعيش في رحمة الله فمن اتبع سنة الله رحم الناس.

ورغم هذا النبع الصافي إلا أنني رأيت بذور الفتنة التي يغرسونها في تربة الوطن تثير الضغائن والأحقاد.

فرأيت مثلًا جمهرة من علماء ودعاة المتأسلمين المنحرفين الذين يطلقون على أنفسهم «السلفيين» رأيت وجوههم العابثة والعابسة وهي تحرم الترحُّم على أموات غير المسلمين!!.

وقد تساند معظم من أفتى في هذا الشأن إلى فتاوى لبعض العلماء قديمًا وحديثًا يتم تدريسها في الأزهر حتى الآن، قالوا فيها: «غير المسلم لا يجوز أن يُدعى له بالرحمة، ولو فُرض أنه كان يـُصلِح الطرق ويعمر الأرض وينفع المسلمين فإن عمله غير مقبول، ومن دعا له بالرحمة فقد خرج بهذا عن سبيل المؤمنين»!!

يُظهرون الإسلام وكأنه «سجن إنساني»

وبتلك النظرة السطحية الموغلة في السذاجة والنقاء العنصري يُظهرون الإسلام وكأنه «سجن إنساني» يعطي كافة الحقوق للمسلمين فقط، أما العبيد فهم غير المسلمين، فمهما فعلوا أو قدموا فلن ينال أحدٌ منهم الرحمة، هم فقط سيخضعون للآية الكريمة «مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا» (النساء : 123) فيدخلون في نطاق كلمة «من»

وسيسوء حظهم لأنهم سيدخلون أيضًا في نطاق الآية «وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» (الزلزلة : 8)

أما الآية الكريمة (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة : 7)، فهي من حق الأخ المسلم سواء كان من النابهين الذين يقدمون لأمتهم وللبشرية، أو كان من الخاملين الحابطين، أو حتى كان لصًا من اللصوص وأفّاقًا من الأفّاقين.

مع أن كلمة «من» في كل هذه الآيات تفيد العموم والإطلاق لا التخصيص والتعيين.

أين يذهب هؤلاء «الدعاة» من قول الله سبحانه «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍۚ» (الأعراف : 156) وكلنا بمختلف عقائدنا شيء؟!.

وأين هم من قوله تعالى: «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَۖ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (الأنعام : 54).

وإذا أسلم رجلٌ وظل أبواه على دينهما الكتابي، أفلا يجوز له أن يترحم عليهما مصداقًا لقوله تعالى: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا» (الإسراء : 24)، أم أنه حين يتجه بالدعاء لله سيقول «اللهم ارحم أبي إن كان مسلمًا ولا ترحمه إن كان غير ذلك» مخافة أن يقع الله في خطأ شنيع فينقل هذا الأب الميت من النار إلى الجنة، فتكون كارثة أن يجتمع المسلم وغيره في جنة الله!!

تعالى الله عما يصفون.

ألا يقرأون القرآن فيعلمون أن الله (يختص برحمته من يشاء) لا ما يشاءون، أم أنهم جعلوا من أنفسهم طبقة وسطاء بيننا وبين الله؟

ارحمونا يرحمكم الله، والسلام والرحمة على كل الوطن مسيحييه ومسلميه.

المصدر:

مقال «ليس في فقه هؤلاء إلا الحرام والحرام» المنشور بموقع الدستور

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق