شهور العبادات وأيام المعاملات (2-6)

تعرَّف على دور منظومة الشهور في الحساب الزمني

عدنان الرفاعي

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

     هذا البحث

يحاول البعض التشكيك في كل ما يتعلق بالدين الإسلامي، والبحث عن مدخل لتشويهه..

ولأن الشهور القمرية (التقويم الهجري) له أهمية خاصة في إقامة الشعائر الإسلامية خاصة صوم رمضان والحج، فهي تنال حظها من الهجوم ومحاولة نفي مشروعيتها..

ومن هذا المنطلق يقوم موقع «التنوير» بنشر هذا البحث والذي يتناول من منطلق علمي وشرعي – وفقًا لرؤية الباحث وما يسوقه من أدلة – الفرق بين التقويم القمري والتقويم الشمسي وأهمية وجود كل منهما في حياة الإنسان، مع التدليل على ذلك من القرآن الكريم..

 

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد كل عام اللّغط والجدل حول الشهور العربية والشهور الشمسية «الإفرنجية» وأيهما نتبعها في عباداتنا ومعاملاتنا.

وقد استعرضنا في المقال السابق بكثير من التفاصيل والمعلومات، الفروق الثابتة بين الشهور القمرية والمرتبطة بدوران القمر حول الأرض وكذلك تلك الشهور الناتجة عن دوران الأرض حول الشمس..

ونستكمل في هذا المقال ما بدأناه، في ذلك البحث القيم، ونتعرف على دور منظومة الشهور القمرية والشمسية في حساب الأيام والسنوات وكذلك أداء الفرائض والعبادات والمعاملات.

الشهور القمرية والشهور الشمسية

في الآية التالية لا نرى ذكرًا لمنظومة الشهور القمرية، كون الأمر يتعلَّق بمعايش الدنيا فقط، ولا علاقة له بشعائر العبادات (الصيام والحج) التي تُؤدَّى بناءً على منظومة الشهور القمريّة:

«وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا» [الإسراء: 12]

.. هنا.. نرى أنَّ منظومة الليل والنهار: «وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً»، جعلها الله تعالى من أجل أمرين:

1 – أن نبتغي فضلًا من ربِّنا جلَّ وعلا: (لتبتغوا فضلًا من ربّكم)، وذلك في معايشنا، حيث الليل والنهار ضرورة لذلك..

وهذا ما نراه – أيضًا – في قوله تعالى: «وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [القصص: 73]

2 – أن نعلم: (ولتعلموا) أمرين اثنين:

أ – (عدد السنين)، حيث يكون ذلك من خلال علم تعاقب الليل والنهار، واختلافهما ما بين يوم وآخر من الأيّام الـ (365) المكوّنة للسنّة الشمسيّة، وهذا لا علاقة له إطلاقًا بدوران القمر حول الأرض.

فمهما كانت عدد دورات القمر حول الأرض، فإنَّ ذلك لا علاقة له بكون عدد أيّام السنة هو (365) يومًا..

ب – (والحساب)، حيث تعاقب الليل والنهار، واختلافهما ما بين يوم وآخر من الأيّام الـ (365) المكوّنة للسنّة الشمسيّة، يفيدنا في معايشنا داخل فصول السنة الشمسيّة، من حساب لمواقيت الزراعة وغير ذلك..

استخدام صيغة الربوبية مع الشهور الشمسية

.. ولذلك.. نرى صيغة الربوبيّة: (ربّكم) في العبارة: (لتبتغوا فضلًا من ربّكم).. حيث هذا الجعل يستفيد منه كلُّ البشر، سواء من يقوم بشعائر العبادات، أم من لم يقم بها، وهذا تناسبه صيغة الربوبيّة: (ربّكم)..

أصحاب الأهواء، الذين يسيرون خلف ما تُسوِّل لهم أنفسهم، ولا علاقة لهم بمنهج التدبّر السليم في كتاب الله تعالى، يحتجّون بهذين النصَّين الكريمين، لتبرير أهوائهم:

«هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ…….» [يونس: 5]

«وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَۚ…» [الإسراء: 12]

يقولون: قوله تعالى المبدوء بلام التعليل والذي يجمع أمرين: (لتعلموا عدد السنين والحساب)، لا نعلم حقيقةَ أيٍّ من هذين الأمرين، إلاَّ بما قبل لام التعليل: (الشمس ضياء والقمر نورًا وقدَّره منازل).

بمعنى: يتوهّمون أنَّ عِلْمَ عدد السنين يتعلَّق بالقمر (إضافة للشمس) كونه ذُكِر قبل لام التعليل، وأنَّ عِلْمَ الشهور يتعلَّق بالشمس (إضافة للقمر) كونها ذُكِرت قبل لام التعليل..

.. قولهم هذا ناتجٌ عن جهلٍ كبير، وعن فرض أهوائهم المُسبقة الصنع على النص..

ألم يجعل الله تعالى الليل لنا لنسكن فيه، والنهار معاشًا نبتغي فيه من فضله جلَّ وعلا ؟:

«هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ» [يونس: 67]

«وَجَعَلْنَا النَّهَار مَعَاشًا» [النبأ: 11]

تفسيرات أصحاب الأهواء

.. بناء على ضلالهم، هل يكون السكن في النهار كما هو في الليل، وهل يكون الابتغاء من فضل الله تعالى في الليل كما هو في النهار.. وذلك.. بسبب وقوع الليل والنهار قبل لام التعليل، عطفًا على بعضهما، ووقوع السكن والابتغاء من فضل الله تعالى بعد لام التعليل، عطفًا على بعضهما، وذلك في قوله تعالى:

«وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» [القصص: 73]

.. من يضع نتيجة مُسبقة الصنع من مادّة خياله، ويبدأ بالبحث لها عن مقدّمات، لا تعنيه الحقيقة، كلُّ ما يعنيه هو ذرّ الرماد في الأعين، لفرض أهوائه الضالة..

ففرض نتيجة خاطئة، والبناء عليها للوصول إلى نتائج أُخرى، لن يؤدّي بصاحبه إلاَّ إلى مزيدٍ من الضلال والإضلال..

.. كون رؤيتنا للأهلّة على مدار (29 أو 30) يومًا ناتجة عن انعكاس ضوء الشمس من على وجه القمر المقابل للشمس، لا يعني أنَّ الشمس تدخل في منظومة الشهور… أبدًا…

وجه القمر المقابل للشمس يعكس ضوء الشمس بشكل مستمرٍّ، بشكلٍ مجرَّد عن دورانه حول الأرض وما يتكوّن من شهور نتيجة لذلك، شأنه بذلك شأن كلِّ الكواكب.

وما يجعلنا نرى الأهلّة التي تتدرَّج من المحاق إلى البدر عودةً إلى المحاق، هو موقع القمر بالنسبة لنا (على الأرض) أثناء دورانه حول الأرض، حيث الوجه المنير للقمر تتغيّر رؤيتنا له نتيجة لهذا الدوران، لتنعدم في المحاق حيث يكون القمر على استقامة بين الشمس والأرض، وتكتمل عندما يكون بدرًا حيث تكون الأرض على استقامة بين الشمس والقمر..

وكلُّ ذلك، لا علاقة له – إطلاقًا – بالشمس، سوى أنَّ القمر يعكس ضوءها على وجهه المقابل لها، شأنه بذلك شأن الكواكب الأُخرى، وهذا لا يعني أنَّ الشهور لها علاقة بالشمس…

 

المصدر:

من بحث «إنّما النسيء زيادة في الكفر»، المنشور بالموقع الرسمي للمهندس عدنان الرفاعي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق