فيروس التراث الحجري!

الفرق التاريخي بين نظرتنا إلى ماضينا ونظرتهم لماضيهم

خالد منتصر

خالد منتصر

طبيب وباحث مصري، له العديد من الإسهامات الفكرية في مجال التنوير، كما أنه شارك في إعداد وتقديم عدد من البرامج التليفزيونية.
خالد منتصر

آخر أعمال الكاتب خالد منتصر (كل المقالات)

التراث عندنا هو الماضي محنطًا ومجمدًا، التراث عندهم هو الماضي متجددًا ومنتقدًا.

التراث عندنا صنم وطوطم ندور حوله ونلف في محرابه من على مسافة وبعد، نخشى تنظيفه من ذرات تراب الزمن المتراكمة خشية أن تكون من ضمن المقدسات.

التراث عندهم لوحة تنشين لسهام الغربلة والتنقيح والتفنيد والرفض الثوري والقبول الحذر والقراءة المتشككة.

لديهم دائمًا مكنسة مشحونة دومًا لإزالة كل الأتربة التي تجعل الرؤية ضبابية.

هذا هو الفرق التاريخي بين تراثنا وتراثهم، بين نظرتنا إلى ماضينا ونظرتهم إلى ماضيهم.

انفردنا بمصطلحات تترجم حيرتنا واضطرابنا إزاء التعامل مع صنم الماضي، ذلك الماضي الذي حولناه إلى غيمة كثيفة سميكة سوداء، لا هي تمطر فتنبت قمح الأمل، ولا هي تتخلى عن مواراة الشمس فتضيء المستقبل.

الماضي، المفروض أنه استمرار لا اجترار، يستمر مدمجًا في حاضرنا بعد التشكيل والتحوير والتحرير، وليس مستقلًا ككتلة اجترار في سنام سئيم أحدب، مثل زائدة دودية لا وظيفة لها إلا الانفجار.

حوّلنا التراث من مساعد إلى خصم ومنافس، برفضنا للإدماج الإيجابي العاقل وإصرارنا على التقديس الجنوني الهستيري.

فيروس التراث يهاجم حاضرنا

بلغة الطب الحديث، صار التراث والماضي فيروسًا يسكن نواتنا ويأمر مادتنا الوراثية الثقافية بإنتاج نفس هويته، وإرسال المدد الغذائي والإمدادات الأخرى التي تنميه هو وتميت النواة وتقتل الكائن الذي يستضيفه، يتحول من مجرد ساكن ضيف إلى صاحب المسكن، انقسامات مادتنا الوراثية هي لخدمة ذلك الفيروس الماضوي.

الفيروس تحت الميكروسكوب كائن خامل لا حياة فيه، كبللورة سكر خرساء مشلولة، ما إن تدخل نواتنا الحاضرة حتى تتحول إلى وحش يلتهمنا.

الهندسة الوراثية وجدت حلولًا واخترعت علاجًا للعطب الذي يحدثه فيروس كتب الطب، ولم يعالج بعد فيروس كتب الماضي.

عالج بإدماج جين يساعد الجسد على الشفاء، الجين لا يعطل بل يساعد على الشفاء، يشترك في أوركسترا الجسد كعازف، ولا يشترك كنغمة نشاز بدون نوتة موسيقية مثل فيروس التراث الحجري.

يصف د.فؤاد زكريا تلك العلاقة المريضة بيننا وبين تراثنا في بحث عنوانه «أزمة التطور الحضاري في العالم العربي»، قدمه في الكويت 1974، قائلًا: «الماضي ماثل دائمًا أمام الحاضر بوصفه قوة مستقلة عنه، منافسة له، تدافع عن حقوقها إزاءه، وتحاول أن تحل محله إن استطاعت، نظرتنا إلى الماضي لا تاريخية».

هذه الصفة اللاتاريخية التي يؤكد عليها أستاذ الفلسفة الراحل يضعها في مواجهة النظرة الغربية التاريخية التي تتأمل التاريخ من منظور نسبي، وبصفته مرحلة وانتهت، واندمجت في مراحل لاحقة تجاوزتها بالتدريج.

الماضي عندنا دائم الحضور في الحاضر، متصادم معه، من هذا المنطلق تصبح كلمة «إحياء التراث» كلمة سيئة السمعة، لأن قصدنا من تلك الكلمة أو ذلك الطلب هو التكتيف والعرقلة في سباق الحضارة وليس الانطلاق والتجاوز.

أزمة الحياة في سجن الماضي

نؤكد عليها لنظل نردد كالأسطوانة المشروخة «لقد سبقنا»، وليس «لقد حققنا»، عندما ننهض من سباق المسافات الطويلة للحضارة نعود إلى نقطة البداية لتسلم العصا من الماضي التليد، ولا نتسلم العصا من النقطة التي وصل إليها متسابقو حضارة الحداثة.

لم نفهم أن قوة التراث في تجاوزه وليس في التشرنق داخله.

يعبر عن هذا المعنى د.فؤاد زكريا في نفس البحث القيّم، عندما قال «يوجد القديم في الجديد لا بمعنى أن الجديد يعود إلى القديم أو يستلهم منه أفكاره، لكن بمعنى أن القديم يتيح للجديد فرصة تجاوزه وتصحيحه، ومن خلال أخطاء القديم تأتي القوة الدافعة التي تولد الجديد، ولو شئنا أن نلخص في كلمة واحدة التضاد بين النظرة إلى التراث التي تؤدي إلى تقدم فكري، وتلك التي لا يترتب عليها سوى التخلف، لقلنا إن التراث في الأولى يحيا من خلال موته، أما في الثانية فإنه يموت من خلال حياته».

ومن لغة الفلسفة إلى لغة الطب مرة أخرى لتبسيط وتأكيد المعنى، هم تعاملوا مع التراث على طريقة الإنقاذ بزرع الأعضاء وإنعاش العضو بالتجديد أو الإحلال أو الإضافة أو الحذف.

لكننا تعاملنا مع التراث على طريقة ضخ الأوكسجين للميت إكلينيكيًا.

التراث عندنا جذع مخه ميت ونحن نعيش على أمل أن تعيد المحاليل والأسطوانات الحياة إلى جسد الماضي البارد، للأسف.

ونحن في عصر يضيق فيه المكان وتتجاور المسافات ليصبح العالم قرية صغيرة، ويتسع الزمان وتتعمق فجوته ليصبح الجيل مغتربًا عن جيل يكبره بسنوات قليلة.

في هذا العصر ما زلنا ندمن ونخزن قات الماضي في زاوية الفم المرتعش، نجتر منها حلول الحاضر والمستقبل.

تنقية التراث الديني الإسلامي

«هل نمتلك شجاعة الانسلاخ أم نظل في مرض الاستنساخ؟»، سؤال طرحه الباحث العراقي همام طه في جريدة «العرب»، عدد 28 أغسطس 2017، ارتفع فيه سقف المواجهة مع التراث إلى المناداة بالقطيعة المعرفية معه.

وقد وضّح الباحث لماذا القطيعة وما هو معناها؟، فهو بالطبع لا يقصد أن نرمي كتب التراث في سلة القمامة، ولكن بمعنى «التحرر من النفوذ الفكري والقيمي الذي يتمتع به التطرف والأصولية في مجتمعاتنا، وإنهاء «الإمبريالية الثقافية» للتراث وهيمنته على العقول والضمائر.

فهو متغلغل في خرائطنا المعرفية ونسيجنا الثقافي، إذ يستعمر الماضي الحاضر ثقافيًا، ويتسبب في تشويهه وتجريفه اجتماعيًا وسياسيًا.

أي إن التاريخ يمارس غزوًا واحتلالًا مستمرين للحاضر والمستقبل.

ويفسر سعيه لتلك القطيعة بأننا «عندما نضفي هالة القداسة على التراث الديني فإننا نسمح له بقمع الحاضر ثقافيًا، وما قوانين ازدراء الأديان وما يحصل لكل من يفكر خارج الصندوق التراثي من إهانة واستباحة إلا نتيجة لهذا الاستعمار الثقافي الماضوي للمجتمعات العربية».

يرى البعض هذا موقفًا راديكاليًا متشددًا، لكن كم الدماء النازفة والتخلف المتراكم مع وطأة الشلل المزمن وحجم الأطلال والأشلاء تفرض على المفكر هذا الموقف الراديكالي.

ويفسر همام طه تلك الراديكالية بقوله: «وليس في الدعوة للقطيعة المعرفية مع المقاربة الأصولية للتراث إقصاءٌ لما فيه من قيم نبيلة وصور للتسامح، ولكنها محاولة لمَوْضَعة هذه القيم في سياق رأس المال الأخلاقي الإنساني الموجود على امتداد التاريخ والجغرافيا، وهو ليس حكرًا على التراث الديني الإسلامي وحده، ما يستوجب إعادة إدماج الوعي الإسلامي ضمن الوعي الإنساني وتفنيد فكرة احتكار المسلمين للخيرية زمانًا ومكانًا وإنسانًا»

ويضيف: «فلماذا نفترض أن الخير في الماضي فقط وليس في الحاضر أو المستقبل، ولماذا تكون الفضيلة في بقعة دون أخرى من هذا الكون، ولماذا يعتقد المسلم أنه أرقى من غيره بحكم الدين والهوية؟».

«فرمتة» الماضي التليد

إذن، لا بد لنا أن نكف عن المشاركة في عرض أزياء العالم بنفس نسيجنا المهتريء ولكن لا بد من تغيير النول وماكينة النسيج نفسها.

لا بد من طرق دروب التاريخ الثورية المضيئة المتمردة في هذا التراث، جسارة الحفر في طبقات جيولوجية أعمق وأكثر ثراءً.

لا بد من عودة التراث إلى دائرة الظن التي تحكم المعرفة والعلم، وإخراجه من ساحة يقين العقيدة التي تحكم الدين والدوجما.

إنها «الفرمتة» لكي يبدأ تحميل الويندوز الحضاري الحداثي الجديد بدون فيروسات الهاكرز الماضويين التكفيريين.

وقد عبر عنها الباحث همام طه حين كتب: «يبدو جليًا أن الذي تسبب في تقديس التراث عربيًا هو القول بحاكمية النقل على العقل».

وأضاف: «وفريضة العصر اليوم قلب هذه المعادلة بجعل العقل حاكمًا على النقل ونزع القداسة عن التراث وتركه ليواجه الاختبارات الثقافية والفحوص المعرفية والتحديات الحضارية من دون حصانة دينية»

وأشار إلى أن «المطلوب تصفير ثقافي وقطيعة مع الماضوية، إذ لا يمكن إبرام تسوية مع الأصولية، إن المكانة والسلطة الممنوحتين للتراث الديني هما ما يغذي أيديولوجيا الإسلام السياسي، فتقديس التراث هو منبع التطرف، وعلينا تجفيف منابع التقديس تمهيدًا لمكافحة الكراهية. الإسلام السياسي هو وليد الإسلام الأصولي أي إسلام التراث الديني، وسيبقى الأول ما بقى الثاني».

المصدر:

مقال «التراث بين الاستمرار والاجترار»، المنشور بالموقع الرسمي للدكتور خالد منتصر.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق