على خطى «داحس والغبراء» (3-4)

الحروب العنيدة طويلة الأمد من السمات السلبية المرتبطة بنماذج من العقليات العربية

د. محمد أبو زيد الفقي

د. محمد أبو زيد الفقي

عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بكفرالشيخ سابقًا، وأستاذ بجامعة الأزهر. له إسهامات عديدة في مجال إحياء المجد الإسلامي.
د. محمد أبو زيد الفقي

آخر أعمال الكاتب د. محمد أبو زيد الفقي (كل المقالات)

هذا المقال:

يكشف الكاتب من خلاله واحدة من الأزمات التي يعيشها المجتمع العربي وهي العناد والتحيز للرأي وعدم وجود ثقافة الحوار وغلبة الأهواء الشخصية والنزعات القبلية والتمسك بالموروثات البالية، إلا أن ما ورد بالمقال لا يعني أن كل العرب يفعلون ذلك بل هناك من بينهم من يمتلكون ناصية الحكمة وبذلوا ما في وسعهم للحد من تلك الآثار السلبية فأحيانًا ينجحون في مسعاهم الحميد وتارة لا يكون التوفيق حليفهم
وأخيرًا نؤكد أن العرب مثلهم مثل كل الأمم.. لهم ما لهم.. وعليهم ما عليهم.. فلا عصمة لأمة أو بشر.

استعرضنا في المقالين السابقين، كيف نشبت وانتهت حرب «داحس والغبراء»، في التاريخ العربي القديم، بين قبيلتي عبس وذبيان لمدة 40 عامًا.

كما استعرضنا معركة أخرى استمرت لمدة 40 عامًا هي الأخرى، ويطلق عليها حرب البسوس، التي نشبت بسبب امرأة تحمل هذا الاسم.

وكشفنا أن الحروب العنيدة طويلة الأمد هي سمة من السمات السلبية التي ارتبطت بنماذج من العقلية العربية قديمًا، وللأسف حديثًا أيضًا، وذلك على الرغم من أن العرب اشتهروا بالحكمة ولديهم نخبة من الحكماء المشهود لهم برجاحة العقل في العالم كله.

ونستكمل في الأسطر التالية رصد أمثلة أخرى تعكس مدى فجاجة بعض الحروب التي نتورط فيها كعرب حاليًا، دون أن نستمع لصوت العقل ولحكماء الأمة، وذلك بسبب عناد بعض الاطراف وتقديمهم مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة.

سوريا

كانت تعيش تحت نظام ظالم، ولكنها كانت تعيش في خير ورفاهية، لأن الأخوة فى سوريا، يحبون العمل والنشاط، ويزرعون الخير في كل مكان.

وقد قلنا عنهم قبل ذلك، أنهم كانوا يصدرون كل شيء ولا يستوردون أى شيء.

وبعد الخراب وقيام الحرب الأهلية، وبصرف النظر عن المليشيات المستأجرة، والمدفوعة من الخارج، فقد انقسمت سوريا إلى نظام، ومعارضة، وتدخل العالم كله بإخلاص وبدون إخلاص لإصلاح ذات البين، ولم يفلح أحد.

لأن المعارضة إذا سلَّمت ببقاء النظام، فلن تجد كراسي للحكم تجلس عليها.

وإذا سلَّم النظام للمعارضة بالحكم فسيفقد الكراسي التي يجلس عليها.

وتقوم روسيا وإيران بتوريد السلاح للنظام، بينما تقوم أمريكا وأوروبا وذيولهما في المنطقة بتوريد السلاح للمعارضة وهى حرب عالمية، على أرض عربية، وقودها الغباء والعند العربي.

ولن يُسلِّم أحد لأحد إلا بالفناء التام وإسرائيل جاهزة وداعش أيضًا جاهزة .

ليبيا

سقط نظام القذافي، وتحولت ليبيا إلي ثوار أحرار أشرار {لم نر هذا من 40 عامًا فترة حكم القذافي}، وانقسمت ليبيا بفعل التآمر والدسائس إلى ثوار الغرب {فجر ليبيا} في طرابلس، وثوار الشرق {أنصار الشريعة} في بني غازي، والباقي معروفًا.

ولكن ما نركز عليه هو تدخل العالم كله للإصلاح بين الشرق والغرب، الذين عاشوا في ذل القذافي ولم يُسمع لأحد منهم صوت طيلة أربعين سنة.

ولم ولن يستطيع أحد في العالم أن يصلح بين الطرفين لأن أهل الغرب يريدون الكراسي، وأهل الشرق يريدون الكراسي، ولا يمكن لأحد أن يتنازل لأحد [الغباء والعند العربي].

ومع ذلك فأغلب الشعب الليبي من الكرام الطيبين المحترمين، لكن مصيرهم الآن بأيد حفنة من الأغبياء الأشرار الذين لا يهمهم إلا مصالحهم الخاصة.

وبعض الدول مثل روسيا وتركيا وقطر تساعد جانب، وأمريكا وحلفاؤها وذيولها يساعدون جانب أخر، فهي حرب عالمية تقام على أرض ليبيا لإفناء الشعب الليبي الكريم

اليمن

بعد صراع طويل فى اليمن، كان صراعًا مبهمًا، لكنه بدأ يأخذ شكله الأخير، خرج عبد ربه منصور هادي من صنعاء واتجه إلى الجنوب [أرجوك لا تفكر أنه خرج رغم أنف الحوثيين].

وهي مؤامرة بين الطرفين لإعلان تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب.

والسفن الروسية والإيرانية لا تغادر موانيء الشمال لإنزال السلاح للحوثيين.

وسفن أمريكا وحلفائها وذيولها لا تغادر ميناء عدن لإنزال السلاح.

وسوف يتقاتل الطرفان طويلًا، وسوف يتدخل الخبثاء فى العالم، ولكن لن ينتهي الصراع إلا بفناء الشعب اليمني الكريم شديد التديُّن.

وربما ظهرت القاعدة أو داعش في نهاية الأمر، واتجهت شمالًا حتى مكة والمدينة، ولهذا مقال آخر.

المهم أنه لن يتنازل الجنوبيون عن الحكم والكراسي ولن يتنازل الشماليون عن الكراسي بسبب [الغباء والعند العربي].

المصدر:

مقال «خلفيات العقل العربي – انتكاسة الفكر» المنشور بالموقع الرسمي للدكتور محمد أبو زيد الفقي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق