شهور العبادات وأيام المعاملات (3-6)

نحن أمام منظومتين إحداهما أكبر من الأُخرى بحوالي (11) يومًا

عدنان الرفاعي

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

     هذا البحث

يحاول البعض التشكيك في كل ما يتعلق بالدين الإسلامي، والبحث عن مدخل لتشويهه..

ولأن الشهور القمرية (التقويم الهجري) له أهمية خاصة في إقامة الشعائر الإسلامية خاصة صوم رمضان والحج، فهي تنال حظها من الهجوم ومحاولة نفي مشروعيتها..

ومن هذا المنطلق يقوم موقع «التنوير» بنشر هذا البحث والذي يتناول من منطلق علمي وشرعي – وفقًا لرؤية الباحث وما يسوقه من أدلة – الفرق بين التقويم القمري والتقويم الشمسي وأهمية وجود كل منهما في حياة الإنسان، مع التدليل على ذلك من القرآن الكريم..

مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد كل عام اللّغط والجدل حول الشهور الهجرية «العربية – القمرية» والشهور الشمسية «الإفرنجية» وأيهما أحق أن نتبعه في عباداتنا ومعاملاتنا.

وقد استعرضنا في المقالين السابقين بكثير من التفاصيل والمعلومات، الفروق الثابتة بين الشهور القمرية والمرتبطة بدوران القمر حول الأرض وكذلك تلك الشهور الناتجة عن دوران الأرض حول الشمس..

ونستكمل في هذا المقال ما بدأناه، في ذلك البحث القيم، ونتعرف على أي من المنظومتين القمرية والشمسية أصلح لاستخدامها في حساب الأيام والسنوات وأيهما تناسب أداء الفرائض والعبادات.

جوهر تكوّن الشهور الهجرية والميلادية

جوهر تكوّن الشهور الهجرية هو دوران القمر حول الأرض دورة كاملة، كما أنَّ جوهر تكوّن اليوم هو دوران الأرض حول نفسها دورة كاملة، كما أنَّ جوهر تكوّن السنة هو دوران الأرض حول الشمس دورة كاملة..

.. لو فرضنا – جدلًا – أنَّ الأرض لا تدور حول الشمس، وأنَّها واقفة في مكانها، وتدور فقط حول نفسها، في مكانها الثابت المُفترض.. فهل لا نرى أهلّة للقمر؟.. بالتأكيد نرى أهلّة للقمر، ما دام القمر يدور حول الأرض..

.. لو فرضنا – جدلًا – أنَّ الأهلّة ليست (29 أو 30) هلالًا… لو فرضنا أنَّها (10) أهلّة أو (100) هلالًا.. ألا يتعلَّق ذلك بدوران الأرض حول نفسها، وبدوران القمر حولها؟..

.. لو فرضنا – جدلًا – أنَّ عدد الشهور القمريّة ليس (12) شهرًا… لو فرضنا أنَّها (10) شهور أو (100) شهرًا.. ألا يتعلَّق ذلك – فقط – بدوران القمر حول الأرض؟..

.. لو فرضنا – جدلًا – أنَّ القمر لا يدور حول الأرض (أو أنّه لا يُوجد قمر)، فإنَّ ذلك لا يؤثِّر على منظومة الأيّام الـ (365) المعلومة.. فهويّات الأيّام في السنة الشمسيّة لا علاقة لها بدوران القمر حول الأرض، تمامًا كما أنَّ هويّات الشهور لا علاقة لها بموقع الأرض في دورانها حول الشمس..

كل منظومة مستقلة عن الأُخرى

فلكلٍّ من هاتين المنظومتين استقلاليّتها عن المنظومة الأُخرى، وذلك من زاوية شهادتنا – نحن البشر – للشهور والأيّام..

.. من هنا نرى أنَّ منظومة الشهور الناتجة عن دوران القمر حول الأرض، ومنظومة الأهلّة داخل الشهر الناتجة عن دوران الأرض حول نفسها ودوران القمر حولها، مستقلَّتان تمامًا عن منظومة الأيّام المكوّنة للسنة الشمسيّة وعن منظومة الفصول، كنتيجة لدوران الأرض حول الشمس..

وذلك من زاوية مشاهدتنا لهويّات الأيّام الـ (365)، ولهويّات الأهلّة في الشهور الـ (12)…

المعيار في الشهور الهجرية هو مشاهدتنا لأهلّة القمر وبحجمه المرئي – كهلال – بالنسبة لنا هنا من على الأرض، وهذا يتعلَّق بالقمر حصرًا، ولا علاقة له بالشمس..

والمعيار في الأيّام والفصول هو مشاهدتنا لطلوع الشمس وغروبها واختلاف الليل والنهار، وهذا لا علاقة له بالقمر..

.. وكون القمر تابعًا للأرض، ويدور حولها كتابع لها في دورانها حول الشمس، وكون دورته الفعليّة حول الأرض تنقص بحوالي يومين عن دورته التي نراه بها من خلال منازله الـ (29 أو 30) منزلة، لا يعني ذلك تعلَّق الشهور القمريّة كمنظومة، بزمن دورة الأرض حول الشمس… أبدًا…

القمر تابع للأرض، ويدور معها – في دورانها حول الشمس – كتابع لها، ولا يدور مستقلًا عنها..

ولو فرضنا – جدلًا – أنَّ الأرض توقّفت عن الدوران حول الشمس، لتوقف هو أيضًا معها عن الدوران حول الشمس، ولبقي يدور حولها، وفي هذه الحالة المفترضة سنبقى نرى أهلّة له، لكنْ، بحيثيّة مختلفة عمّا نراها الآن، لكنْ نراها، فما دام القمر يدور حول الأرض، والأرض تدور حول نفسها، سنرى للقمر أهلّة، وستتكوَّن شهور..

الناموس الكُلّي للكون

كل أجزاء الكون مترابطة في ناموس كلّي، سواء علاقة القمر بالأرض، أم علاقة الأرض بالشمس، أم علاقة الشمس بالمجرّة…..

كلّ حركة في الكون هي ضمن ناموس يحكم حركة هذا الكون.. لكن.. لا علاقة للقمر بهويّات الأيام الـ (365) المكوّنة للسنة الشمسيّة، ولا علاقة لهويّات الشهور الـ (12) بدورة الأرض حول الشمس دورة كاملة..

.. لو أخذنا يومًا من أيّام السنة الـ (365)، ألا يتغيّر وصفه ما بين سنةٍ وأخرى نسبةً إلى الهلال الذي يُرى فيه؟.. بالتأكيد..

أيضاً كلُّ شهر يتغيّر ما بين دورة وأُخرى [حيث دورة الشهور هي (12) شهرًا كما يُؤكِّد كتاب الله تعالى] نسبةً لأيّام السنة الشمسيّة التي تُكوِّن أيّامه..

هذا أمر طبيعي كوننا أمام منظومتين، إحداهما أكبر من الأُخرى بحوالي (11) يومًا..

وأيُّ محاولة لدمجهما في منظومة واحدة، تقتضي إلغاء هويّة إحداهما وفرض هويّة الأُخرى عليها..

فمن السفاهة تصوّر علاقة نحسّها – كبشر نعيش على الأرض – بين الشهر [كحقيقة كونيّة متعلّقة بدوران القمر حول الأرض، ضمن منظومة هي (12) شهرًا] وبين السنة [كحقيقة كونيّة متعلّقة بدوران الأرض حول الشمس دورة كاملة]..

.. فالشهر كهويّة ثابتة تميِّزه عن غيره من الشهور الـ (11) الأُخرى، لا علاقة له بموقع المسافة التي تقطعها الأرض – أثناء هذا الشهر – في دورانها حول الشمس.. إطلاقًا..

فعندما تعود دورته القادمة، لا تكون الأرض في هذا الموقع نسبة للشمس، كون عدد أيّام دورة الشهور الـ (12) لا يتطابق مع عدد أيّام دورة الأرض حول الشمس، فعدد أيّام دورات القمر الـ (12) يقلّ حوالي (11) يومًا عن عدد أيّام السنة..

هذا إضافة إلى أنَّ الشمس أصلًا ليست ثابتة في مكانها، فهي أيضًا تسير، ويسير معها كلُّ ما يدور حولها من أجرام..

المصدر:

من بحث «إنّما النسيء زيادة في الكفر»، المنشور بالموقع الرسمي للمهندس عدنان الرفاعي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق