«الإمام» المُفترَِى علينا

الإخوان يزدادون تقديسًا للبنا فيُقرنون اسمه بعبارة «رضي الله عنه»!

ثروت الخرباوي

ثروت الخرباوي

محام ومفكر مصري، وباحث متخصص فيما يسمى بجماعات الإسلام السياسي، وأهم ما يميز كتاباته أنه شاهد على انحرافات تلك التنظيمات حيث انضم خلال شبابه إلى جماعة الإخوان الإرهابية، ثم تأكد من شرودها عن المنهج الإسلامي القويم، فتركها كاشفًا حقيقتها للمخدوعين بها من خلال عدد من الكتب والمقالات واللقاءات التليفزيونية.
ثروت الخرباوي

آخر أعمال الكاتب ثروت الخرباوي (كل المقالات)

     هذا المقال

ما أضاع الأمم السابقة، إلا تقديسهم لأنبيائهم وعلمائهم فظنوا أنهم يمتلكون ناصية الدين والدنيا فكان الأمر الإلهي بخسفهم أو تعذيبهم أو محوهم من الحياة التي دنسوها بأفكارهم الشاذة!

أمَّا في عصرنا الحالي فقد تجاوز الأمر تلك الحدود، ووصل إلى تقديس أشخاص ليسوا حتى بعلماء أو مفكرين، بل مدّعين للعلم والفهم ويخدعون الناس لأغراض شخصية!!

وهذا التقديس هو ما خلق في تاريخنا المعاصر «الإمام حسن البنا»، كما يسميه أتباعه، حيث يرصد الكاتب في هذا المقال، مدى التضليل والخداع الذي حدث لإيهام البسطاء بمكانة سامية مزعومة لهذا الشخص الذي تاجر بالدين لتحقيق مطامعه الشخصية في الدنيا وأملًا في الوصول إلى سدة الحكم!!

«مما لا شك فيه»..

انتبه أيها القارئ فهذه المقالة تبدأ بالعبارة الشهيرة التي يبدأ بها الكُتَّاب مقالاتهم وهي عبارة: «مما لا شك فيه»..

ولماذا أقول: «مما لاشك فيه»؟!

لأن الواقع أثبت هذا الأمر، فأصبح معلومًا من السياسة والتاريخ بالضرورة..

ولكن أي أمر أقصد؟!..

طبعًا أمر جماعة الإخوان وعلاقتها الروحية بمرشدها الأول حسن البنا.

مما لا شك فيه أن حسن البنا عند الإخوان هو في مصاف الأنبياء، وما ذلك إلا لأن شخصيته كانت مؤثرة في أتباعه، فمعظمهم كان قليل الثقافة والفكر.

كانوا هم صغارًا خاملين جهلاء، وكان هو أعلى منهم همة وقدرة ففُتنوا به واعتبروه الإمام المهدي أو أعلى درجة.

وهو فوق ذلك صنع لنفسه في أذهانهم صورة ملائكية، فقد صوَّر نفسه كإمام تجري الخوارق على يديه.

المعجزات المزعومة لحسن البنا

ففي كتابه مذكرات الدعوة والداعية يقول عن أمر شقّ عليه عندما كان طالبًا، ذلك أن امتحانه في معهده كان على وشك الانعقاد وهو لم يستذكر دروسه بعد.

فحدث كما يقول: «لا زلت أذكر أن ليلة امتحان النحو والصرف رأيت فيما يرى النائم أنني أركب زورقًا لطيفًا مع بعض العلماء الفضلاء الأجلّاء يسير بنا الهوينا في نسيم ورخاء على صفحة النيل الجميلة، فتقدم أحد هؤلاء الفضلاء، وكان في زى علماء الصعيد، وقال لي: أين شرح الألفية لابن عقيل؟ فقلت: ها هو ذا، فقال: تعالى نراجع فيه بعض الموضوعات، هات صفحة كذا، وصفحة كذا، لصفحات عينها، وأخذت أراجع موضوعاتها حتى استيقظت منشرحًا مسرورًا، وفي الصباح جاء الكثير من الأسئلة حول هذه الموضوعات فكان ذلك تيسيرًا من الله تبارك وتعالى».

ونجح حسن البنا في الامتحان وتفوق فيه بسبب أن الله أرسل له في المنام من يذاكر له الدرس الذي لم يقرأه، لم يرسل الله له رجلًا عاديًا، ولكن أرسل له بعض العلماء الفضلاء الأجلاء!

فكان الدرس الخصوصي!

وكان الغش عن طريق ملائكة المنام، وكان النجاح!، أما من ذاكر واجتهد طوال العام فلم تأت له ملائكة المنام لتغششه الامتحان، ولماذا تأتي له وهو ليس حسن البنا؟!.

إمامة حسن البنا «الوهمية»

وبذلك نستطيع القول بتأكيد إنه «مما لا شك فيه» أن إحساس البنا بإماميته للأمة كان ظاهرًا حين أطلق على نفسه لقب «الإمام» حينما كان لا يزال في مقتبل الشباب، ولكنه أيضًا حينما آمن بهذه الإمامية قام بتوريثها لأتباعه.

فيقول محمود عساف سكرتير حسن البنا في مذكراته ناقلًا كلمات قالها له البنا: «انظر يا محمود إن الإيمان بالإسلام يقوم على شهادتين: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ولا تصلح الشهادة الأولى وحدها ليصير الشخص مسلمًا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يتجسد الإسلام في شخصه، وبالتالي يجب أن يكون الإيمان بالفكرة وصاحبها معًا، فلسنا جمعية ولا تشكيلًا اجتماعيًا ولكن نحن دعوة فلابد من الإيمان بها والسير على نهج داعيتها والعمل على تطبيق أفكاره».

وضع حسن البنا نفسه في مصاف النبي صلى الله عليه وسلم، فلطالما أن إسلام المرء لا يتم إلا بإيمانه بالرسول صلى الله عليه وسلم، فإن إيمان الإخواني لا يتم إلا إذا آمن بحسن البنا.

وضع البنا نفسه في مقام النبي، ووضع كلمة الدعوة في مقام الإسلام، وعلى هذا الأمر سار الإخوان..

فهم يقولون دائمًا عن حسن البنا إنه «صاحب الدعوة»..

وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم تنازل عنها للبنا، وسبحان الله!

مرة يقول فريق من الشيعة إن «الدعوة كانت لعلي بن أبي طالب»..

ومرة يقول الإخوان «إن البنا هو صاحب الدعوة»..

وكأن هناك تنازعًا في ملكية الدعوة.

صاحب الدعوة الإخوانية

ولأن البنا في ضميره وضمير الإخوان هو صاحب الدعوة، لذلك يجب أن يكون فهمه للإسلام عندهم هو الفهم المعتمد الذي لا يجوز مناقشته أو الاختلاف فيه.

وهذا هو ما أَكد عليه البنا لأعضاء الجماعة..

إذ أوضح لهم أن الإسلام لا يُفهم إلا في حدود الأصول العشرين التي وضعها لهم، لا يجوز لهم أن يضيفوا لها أو أن يحذفوا منها.

فإذا ما أرادوا فهم الإسلام فيجب أن يطرقوا باب البنا الذي معه مفاتح الفهم وحده.

ولتأكيد هذا قال في تفسير ركن «الفهم» الذي هو أحد أركان البيعة: «إنما أريد بالفهم أن توقن بأن فكرتنا إسلامية صحيحة، وأن تفهم الإسلام كما نفهمه في حدود الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز».

وحينما وجد أن الجماعة ضمت بعض الشباب الذي يفكر ويناقش ويجادل أراد أن يخضعهم لطريقته وأسلوبه وفهمه هو وحده.

ولم لا وهو عندهم الإمام المهدي الذي أرسله الله ليجدد للأمة أمر دينها!.

هو الإمام الذي لديه كنوز من المعرفة الربانية كنزها لنفسه وأعطاها لأصحابه القطرة وراء الأخرى!..

«تبًا لهذه العقول التي صدَّقت تلك الخرافات البناوية»!!..

لذلك قال في أحد الأيام للشيخ الشاب الدكتور عبدالعزيز كامل، عندما وجده يفكر: «أنا أعلم نوع تفكيرك وتمسكك بالسنّة، وستأتي أيام وظروف قد نختلف فيها، وأود في هذه الظروف أن تترك رأيك لرأيي، ألا تطمئن إليَّ؟».

وبذلك أغلق البنا على المسلمين أبواب الفهم، واحتكرها لنفسه..

وما ذلك إلا لأنه في نظر نفسه وعند أتباعه «الإمام المهدي» الذي طال انتظاره، والذي يصحح للناس أفهامهم الدينية ويجعلهم قالبًا واحدًا..

لا اجتهاد عند الإخوان!

أما أولئك الفقهاء الكبار الذين اجتهدوا ووضعوا قواعد ذهبية في تنوع الأفهام وتعدد الصواب واختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان.

فأولئك ليست الجماعة منهم في شيء، إذ إنهم لا يعرفون إلا حسن البنا وحده، ولا يفهمون غير أفكاره، ولا يتقربون إلى الله بالدعاء إلا من خلال الأدعية التي جمعها البنا وجعل منها أذكارًا للجماعة.

لذلك كان قتل حسن البنا نكبة وقعت على رؤوس الإخوان، فبكوه وأسرفوا في البكاء..

فهذا هو عمر التلمساني يقول بعد مقتل البنا: «وكف القلب المُعلق بالعرش عن النبض في هذه الحياة لينبض في مقعد صدق عند مليك مقتدر».

وبذلك يكون الإخوان قد دخلوا في علم الله، وتألّوا على الله، وقطعوا بالغيب الذي لا يعرفه إلا الله..

لم يقل التلمساني وهو يرثي شيخه كلمة تفيد بشرية أفهامنا وعدم معرفتنا بالغيب مثل «نحسبه في مقعد صدق عند مليك مقتدر والله حسيبه»..

ولكنه قطع بمكانه ومكانته عند الله!..

ولم لا أليس هو في ضمائرهم الإمام المهدي؟.

ومرت سنوات والإخوان يزدادون تقديسًا للبنا فيقرنون اسمه بعبارة «رضي الله عنه»!..

ويقولون دائمًا عندما يستدلون بكلامه: «قال الإمام الشهيد»!..

إلى أن جاء يوم فأصبح البنا هو الإمام المفترى علينا بجماعة ليس لها دين وليس لها وطن، ولكن لها إمام..

ولكن لن يكون لها إن شاء الله «أمام» أو مستقبل لأنها مضافة إلى الماضي.

المصدر:

مقال «حسن البنا المفترِى علينا» المنشور بموقع الدستور

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق