حسم قضية تطبيق «حدة الردة»

هل يوجد في الإسلام نص صحيح عن عقوبة محددة لمن يرتد عن الدين؟

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

باحث ومفكر إماراتي، مهتم بالشأن العربي وما آل إليه حال الأمة العربية. له العديد من الكتب والأبحاث التي تناولت دعوته إلى إحياء الخطاب الإلهي والتمسك بأن يكون القرآن الكريم هو الدستور والمرجعية الوحيدة للمسلمين.
المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

آخر أعمال الكاتب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (كل المقالات)

في الخطاب الديني

البخاري 6923، مسلم 3371

في صحيح اِلبخـاريّ ومُسلم: أنَّ النبيَّ صلّى اللهُ عليهِ وسلم بعثَ أبا مُوسى الأشعريَّ رضي الله عنه واليًا على اليمنِ ثّم أتبعه معاذَ بنَ جَبَل رضَي اللهُ عَنه، فلمّا قَدِمَ عليه، ألقى أبو مُوسى وسَادةً لمعاذِ وقال: (انزلْ وإذا رجلٌ عندَه مُوثقٌ قالَ معاذُ ما هذا؟ قال كانَ يَهوديًّا فَأسلَم ثمّ تَهوّد. قالَ: لا أجلسُ حتى يُقتَلَ، قضاء اللهِ ورسولهِ ثلاثَ مرّات، فأمر بهِ فَقُتِل).

 

في الخطاب الإلهي

قَال تَعَالى ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ (الزمر: 41)، بهذه الآية يبلغ الله سُبحانَهُ بتحرير الإنسان مِنْ وصايةِ الأنبياءِ عليْهم في عقائِدِهِم، وأقرّتْ رسالةُ الإسلام حقوقَ الإنسان المطلقةَ في اختيارِ ما يشاؤون من عقائد يتعبدون بها، فالله وحدَه كفيل بحسابِهِم يومَ الحسابِ تأكيدًا لقوله تعالى ﴿وَإِن ما نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذي نَعِدُهُم أو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيكَ البَلاغُ وَعَلَينَا الحِسابُ﴾ (الرعد: 40).

فاللهُ وحدَه اختصَّ بمحاسبةِ عبادِهِ على أساسِ قولِ اللهِ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7 و8)، وقولِه سُبحانَهُ وتعالى ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم﴾ (الغاشية: 25 و26)، وإنَّ هاتيْن الآيتينِ تؤكّدانِ أنَّ مسئوليةَ الرسول محمّد صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ هي إبلاغُ الرسالةِ للناسِ، والتي حدّدَ معالمها القرآنُ، ونصَّ على التشريعاتِ الأساسيةِ فيما يتعلّق بالخالقِ سُبحانَهُ وخَلقِهِ، وفيما يتعلّق بالتعامل الَّذِي يحكمُ علاقاتِ النّاسِ فيما بينَهم وفق تشريع يحقق العدل للناس جميعا ويحرم الظلم بينهم ليعيشوا في أمن وسلام.

وقولهُ تَعَـالى ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ (الكهف: 29).

لقد منحَ اللهُ الإنسان حُرّيةً مطلقةً كما تؤكّدُه هذه الآيةُ المذكورة أعلاه، فحريةُ الاعتقادِ حقٌ من حقوقِ الإنسان مَنَحها اللهُ سُبحانَهُ لخلقه وليسَ مَنْ حقِّ أي إنسان أن يصادِرَ هذا الحقَّ الإلهي للناسِ جميعًا، فاللهُ وحدَه فَقَط يحكُمُ لَهُم أو عليهم يومَ الحِساب في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (الحج: 71)، وبهذه الآيةِ احتفظَ اللهُ بحقّه في الفصل بينَ الناس على مختلف دياناتهم وعباداتِهم، ولا يحق لبشرٍ نبيٍ أو رسولٍ أو عالمٍ أو حاكمٍ أن يقضيَ على الناس، بحكمٍ لا يملكه حيث حَسَمَ اللهُ سُبحانَهُ هذا الأمر فيما يتعلق بعقائِدِ الناسِ المختلفةِ فهوَ صاحبُ الحقّ الأوحدِ في مقاضاةِ خلقِه يومَ الحِساب.

 

ملاحظة وتعقيب:

هل هكذا يكون مصيرُ مَنْ كرمه اللهُ ومَنَحهُ كَلَّ الحقّ في حرّية الاعتقاد فَتمّتْ مصادرةُ حريتهِ وزادَ على ذلكَ أنْ تمّتْ مصادرةُ حقه المقدسِ في الحياة التي وَهَبها اللهُ لَه، أليسَ مثل تلك الرواياتِ تُنبتُ التطرفَ وتشجع الإرهاب، مقتنعين بعقائد فاسدة انبثقت من نفوس مريضة متوحشة تنشر الكراهية وتستمتع بدماء الأبرياء متعطشة للقتل لا فرق لديها بين كهل أو طفل أو امرأة، حِينما تمَّت الاستهانةُ بالروحِ الإنسانيةِ وتمّت بذلك مصادرةُ حقِّ اللهِ سُبحانَهُ لعبادِهِ في الحياة الآمنة وتشويه سماحةِ الإسلام ورحمته وعدله فكُلّ من روى هذه الروايات ومَنْ نَقَلها ومَنْ كَتَبها أعداءَ لله ولرسولِه وأعداءَ لرسالةِ الإسلام التي تَدعو للحريةِ والمحبّةِ والسلام بِينَ جميعِ خلقهِ. وقد حذرهم الله سبحانه في قوله تعالى (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) (الزمر 60).

إنَّ مبدأَ التكفيرِ للناسِ بصفةٍ عامة، سَواء كانوا مُسلمينَ أم مِن أهلِ الكتابِ أم من الوثنيينَ أو مِمّن لا دين لهم، قضيةٌ لم يمنح اللهُ أيًّا من رُسلهِ وأنبيائِه حقَّ تكفيرِهم، ولا يُمكن لأي فئةٍ أن تصادر حقِّ اللهِ في الحكم على خلقهِ، وعلى نواياهم وما يُضمرون في قلوبِهم وما يعتقدون، فلا يملكُ إنسان مهما أوتيَ من عِلمٍ ومكانةٍ في المجتمعِ، أن يُكفر غيرَه، ومن أعطى أي إنسان الحق ومن هي السلطة التى خولته أن يُنصِّبَ الإنسان نَفسَه حَكَمًا وقاضيًا، على عقائد الناس والحُكمُ عليهم بالقتلِ أو الموتِ، هكذا يتضح للعقلاء كيف استطاعت الروايات أن تختطف بعض العقول لتكون منقادة إلى الجحيم بما ترتكبه من جرائم الإفساد في الأرض، مما يؤكّد نتيجةً خطيرةً بأنَّ الَّذِين ابتدعوا تلكَ الأحكام وآمنوا بالروايات وصدقوا الإسرائيليات وأساطيرهم يدفعونهم لتدمير أوطانهم واغتيال الآمنين من سكانها ظلما وعدوانا. أطلقوا العنانَ لتشويهِ الإسلام ونشر صورة كريهة ضد الإنسانية عن دين الرحمة والعدل والحرية والمساواة والسلام. لقد انصرفوا عن آيات الله واتبعوا الشيطان ورواياته لأنهم لم يقرأوا القرآنَ بإمعانٍ وتدبروا آياته ولأنهم يريدون أن يطفئوا نوره، فلم يتفهموا شريعةَ اللهِ لخلقهِ ولم يُدركوا أنّهم تجاوزوا الخطوطَ الحمراءَ بافترائِهم على شرعِ اللهِ ومصدرهِ الوحيدِ القرآنُ الكريمُ، والله سبحانه يتحداهم بقوله (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) (التوبة 32).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق