لماذا نرفض «الخطاب الديني»؟

مقارنة بين الخطابين وتأثير كل منهما في المجتمع الإسلامي

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

باحث ومفكر إماراتي، مهتم بالشأن العربي وما آل إليه حال الأمة العربية. له العديد من الكتب والأبحاث التي تناولت دعوته إلى إحياء الخطاب الإلهي والتمسك بأن يكون القرآن الكريم هو الدستور والمرجعية الوحيدة للمسلمين.
المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

آخر أعمال الكاتب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (كل المقالات)

 

إذًا ما هي الأسباب القاهرة والدوافع الضرورية لمخالفة أوامر الله وانصرافنا عن القرآن إلى تصديق عشرات الآلاف من الروايات واعتبارها مصدرًا رئيسيًّا للفقه والتشريع ومرجعًا للخطاب الديني. والرسول يشتكي المسلمين يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ (الفرقان: 30)، لقد استغل أعداء الإسلام العاطفة الدينية عند المسلمين واستدرجوا أفكارهم وأقنعوهم بروايات تداعب خواطرهم ونفوسهم واستطاعوا أن ينفذوا إلى العقول حتى أصبحت من المسلّمات والمقدّسات، فحاصروا العقل وجعلوا الروايات قيدًا على حريته في التفكير وشلّوا قدرته على التدبر باستقلالية عن النص القرآني، عندما صدّق المسلمون بأن علماء الدين وشيوخه الذين احتكروا الفكر والفهم للتكاليف الدينية واختزلوا مقاصد التشريع حسب إدراكهم ونصّبوا أنفسهم وكلاء عن الخالق سبحانه في الأرض، وأوصياء على دين الإسلام، علمًا بأنهم جميعًا يعتمدون على كتب التراث الموغلة في القدم والتي مضى على كتابتها عشرات القرون من السنين، يرددون أقوالهم دون وعي وإدراك وتدبر لمدى تطابقها مع كتاب الله، ومعرفة مراد الله من آياته لخلقه، ولقد استطاع من يسمّونهم شيوخ الإسلام وعلماء الدين والأئمة إقناع الناس بواسطة أتباعهم المسترزقون منهم بأنهم الوحيدون القادرون على فهم القرآن وتفسيره لهم؛ مما يعني أن يحتكروا فهم مقاصد الآيات ليتوقف العقل عن التفكر والتدبر في آيات القرآن الكريم، علمًا بأن الله جعل التفكر في القرآن فريضة عين لأن الله سبحانه يخاطب العقل الذي لديه القدرة على قياس الأمور ومعرفة الحق من الباطل، حتى لا يستأثر بعض من خلقه باختزال المعرفة وتعطيل الناس عن التفكر فيما خلق الله في كونه، حين اعتمد المسلمون على مفاهيم دينية واقتنعوا بأفكار وتفاسير تصدر لهم من مختلف الأئمة والدعاة، على الرغم من تباين المفاهيم بين العلماء أنفسهم وتناقض المصطلحات عندهم وتعدد المرجعيات التي يتبعها كل منهم، مضت عليها القرون وأحاطت بها الشكوك والظنون، فلم ينص على اتباعهم كتاب الله، وليسوا أنبياء أو مرسلين، فكلنا مؤمنون بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنزل الله معه النور الذي جاء به القرآن الكريم وأمر المسلمون باتباعه.

وبذلكَ أفقدوا الإسلام إنسانيَّته، ورحمتَه وعَدلَه وتَسامُحَه، وأهدروا القيمةَ الإنسانيةَ، التي تحقق المساواة بينَ الناسِ جميعًا، وَقْد قَالَ سبحانه: (يا أيها الناس إِنَّا خلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)، تؤكدُ هذه الآيةُ وحدَةَ البَشَرِ ودعوتَهم للتعاونِ وكلهم متساوون في الحقوق والواجبات، وأَنَّ اللهَ سُبحانَهُ هوَ الذي سَيحكم على أعمالِهِم في الدُّنيا ويومَ القِيامَةِ وكلهم سواسية في الحياة أمام القانون، فلا ميزة لإنسان على غيره، يأمرهم سبحانه بالتعاون والرحمة والعدل فيما بينهم بقوله في كتابه الكريم: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (المائدة: 2).

فالله يأمر الناس بأن يتعاونوا فيما يحقّق لهم الخير جميعًا ويصلح أحوالهم ويحذّرهم مما يحرمه الله عليهم وعدم الاعتداء على الناس دون وجه حق.

وسوف نستعرض في عدد من المقالات القادمة، بعض الأمثلةِ التي تُبيّن الفَرْقَ بين مصادرِ الخِطابِ الدينيِّ والخِطابِ الإلهي، ممّا تؤكد نتائجها ضرورةَ العودةِ للخِطابِ الإلهي كشرطٍ أساسي، للتأكيدِ على اتباعنا لِهَدْيِ اللهِ واتباع شريعتهِ كمسلمينَ نُؤمنُ بالله الواحدِ ونتّبعُ رسولَه محمدًا صلى الله عليه وسلّم فيما بَلَّغهُ عن ربهِ بالقرآنِ الكريم، مِن قيمٍ وتشريعاتٍ ورحمةٍ، الذي لا يأتيِهِ الباطلُ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ.

 

المصدر:

«المسلمون.. بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، والصادر عن «دار النخبة للطبع والنشر والتوزيع»، للباحث والمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق