الخطاب الإلهي

تدبر آيات الله «فريضة إلهية»

لقد أمر رب العزة المسلمين بالتدبر في آياته والتفكير في مخلوقاته

على المسلمين أن يلتزموا بدعوة الله لهم، بأن يتفكّروا فيما خلق ويتفاعلوا مع آياته، ليستنبطوا بأنفسهم حقائق الكون والحياة واكتشاف كنوز الأرض ونعم الله على عباده فوق الأرض وباطنها، وأن يتعرفوا مراد الله من تشريعاته للناس ومقاصدها لخير الإنسان وسعادته، وألا ترتهن عقولهم لأقوال مجهولة، وروايات مسطورة، وأساطير مدسوسة، لا تتفق مع العقل والمنطق الذي يدعونا الله إليه بالتدبّر والتفكّر في آياته، والآيات التالية تؤكّد دَعوة المولى عز وجَل لعباده للتفكّر والتدبّر في آياته، حيث قوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أنفُسِكُمْ أزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. (الروم: 12).

لأن الله سبحانه هو أكثر حرصا على عباده فى حمايتهم مما يضرهم ويرشدهم لما يسعدهم لأنه خلقهم ولا يستوي المخلوق كالخالق، فالمخلوق تسيره الأهواء والأطماع والأنانية والتكالب على اكتساب المصالح دون الاهتمام بحقوق الآخرين ولو أدى ما يحقق أهدافهم إلى السرقة والقتل وارتكاب الجرائم بكل أشكالها، فكيف نأخذ منهم النصح والوعظ من روايات مسمومة امتلأت خبثًا وسوء النوايا، ونترك آيات الله ونتبع من لا يريدون خيرًا للناس من رواة مجهولين وإسرائيليات تفتري على الله ورسوله كذبا وظلما. ليعيث الناس في الأرض فسادًا وظلما وعدوانًا باسم الإسلام رمز الأمن والسلام، ولذلك تدعو الآيات التالية فريضة من الله على المسلمين التدبر والتفكر فى آيات الله، كما يلي:

قال سبحانه:

﴿وَهُوَ الَّذي مَدَّ الأرضَ وَجَعَلَ فيها رَواسيَ وَأَنهارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فيها زَوجَينِ اثنَينِ يُغشي اللَّيلَ النَّهارَ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يَتَفَكَّرونَ﴾.. (الرعد: 3).

وقوله تعالى:

﴿اللَّـهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. (الجاثية: 12 و13).

وَقوله تعالى:

﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ أنَ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾.. (البقرة: 266).

وقوله تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ وَاختلاف اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار﴾.. (آل عمران: 190 – 191).

وقوله تعالى:

﴿لَوْ أَنزَلنَا هَـذَا القرآن عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاَسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. (الحشر: 21).

وقوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذي مَدَّ الأرضَ وَجَعَلَ فيها رَواسيَ وَأَنهارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فيها زَوجَينِ اثنَينِ يُغشي اللَّيلَ النَّهارَ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوم يتَفَكَّرونَ﴾.. (الرعد 3).

وقوله تعالى:

﴿قُلِ انظُروا ماذا فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما تُغنِي الآياتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوَمٍ لا يُؤمِنونَ ﴾.. (يونس: 101).

وقوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذي أَنزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخرَجنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شيءٍ فَأَخرَجنا مِنهُ خَضِرًا نُخرجِ مِنهُ حَبًّا مُتَراكِبًا وَمِنَ النَّخلِ مِن طَلعِها قِنوانٌ دانِيَةَ وَجَنّاتٍ مِن أعنابٍ وَالزَّيتونَ وَالرُّمّانَ مُشتَبِهًا وَغَيرَ مُتَشابِهٍ انظُروا إلى ثَمَرِهِ إِذا أثمَرَ وَيَنعِهِ إِنَّ في ذلِكُم لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَ ﴾.. (الأنعام: 99).

وقوله تعالى:

﴿فَلْيَنظُرِ الْإنسان إلى طَعَامِهِ﴾.. (عبس: 24).

وقوله سَبحانه وتعالى:

﴿فَلْيَنظُرِ الْإنسان مِمَّ خُلِقَ﴾.. (الطارق: 5).

وقوله تعالى:

(قل أرَأيْتُمْ إِنَ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمَ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أفَلَا تَسْمَعُوْنَ قُلْ أرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّـهَ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾.. (القصصَ: 71-73).

وقوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذي يُرَسِلُ الرِّياحَ بُشرًا بَينَ يَدَي رَحمَتِهِ حَتّى إِذا أقَلَّت سَحابًا ثِقالًا سُقناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنزَلنا بِهِ الماءَ فَأَخرَجنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخرِجُ المَوتى لَعَلَّكُم تَذَكَّرونَ﴾.. (الأعراف: 75).

وقوله تعالى:

﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.. (آل عمران: 191).

وقوله تعالى:

﴿اللَّـهُ يَتَوَفَّى الْأُنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِل الْأخْرَى إلى أجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. (الزمر: 42).

وقوله تعالى:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أنفُسِكُمْ أزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. (الروم: 21).

وقال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾.. (سبأ: 46).

وقوله تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَاَ مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأبْصَارِ﴾.. (النور: 43).

﴿أَلَم يَرَوا إلى الطَّيرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ في ذلِكَ لَآياتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾.. (النحل: 79).

﴿أوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمَ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأكُلُونَ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أفَلَا يَشْكُرُونَ ﴾.. (يس: 71 – 72).

﴿أَوَلَم يَنظُروا في مَلَكوتِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِن شيء وَأَن عَسى أَن يَكونَ قَدِ اقتَرَبَ أجَلُهُم فَبِأيِّ حَديثٍ بَعدَهُ يُؤمِنونَ﴾.. (الأعراف: 185).

(أفلم يَنظُرُوا إلى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ﴾.. (ق: 6).

﴿أفَلَا يَنظُرُونَ إلى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وإلى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾.. (الغاشية: 17-20).

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِندَ اللَّـهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذينَ لا يَعقِلونَ﴾.. (الأنفال: 22).

﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أو آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾.. (الحج: 46).

﴿وَلَقَد ذَرَأنا لِجَهَنَّمَ كَثيرًا مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ لَهُم قُلوبٌ لا يَفقَهونَ بِها وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الغافِلونَ﴾.. (الأعراف).

تؤكّد الآياتُ الكريمة فيما سبق أنَّ اللهَ سبحانَه يخاطب العقول داعيًا عبادَه للتفكّر في رسالته وما تضمّنته من آيات تنير للعقول طريقَ الحياة وتهديهم الصراط المستقيم، وتدعوهم لما يصلحهم ويعينهم في الدنيا والآخرة، فليس من المعقول وليس من الدين، أن يستسلم عقل الإنسان لروايات نتاج بَشَري مجهولة المصدر، مفتقدة المصداقية، نُقلت للناس بعد قرنين من الزمان لوفاة الرسول عليه الصلاة والسلام، تناقلتها الفرق المختلفة وأسندتها لأكثر الصحابة قربًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقوية إسنادها وإقناع المتلقّين لتوثيق مصداقيتها بأنّها روايات صحيحة، طالما أنَّها منسوبة للصحابة، وفي كل الأحوال لا يمكن أن يتساوى المنتَجُ الفكريّ البشري برواياته مع كلام الله وآياته التي اتّسقت آياته ووضحت مقاصدها لخير الإنسان، وارتقت معانيها وتضمنت تشريعًا راقيًا ينظم علاقة الإنسان بخالقه ويحقّق التوازن بالرحمة والعدل بين البشر، على أساس المساواة دون تمييز أو محاباة لأحد لتحقيق التعايش المشترك بين جميع بني الإنسان دون تفرقة لدين أو مذهب أو طائفة أو لون أو ثقافة أو لغة.

فقد حسم الله سبحانه بأنَّ قولَ الرسول عليه الصلاة والسلام هو ما أنزله عليه من قرآن كريم فقط، تأكيدًا لقولهِ سبحانَه:

(إِنَّهُ لَقَولُ رَسولٍ كَريمٍ).. (التكوير: 19).

نقله جبريل عليه السلام إلى رسول الله فكل مَن نَسَبَ إلى الرسول قولًا غير آيات القرآن فقد افترى على الله وَرسوله ويحذرهم الله يوم القيامة، بقوله تعالى:

(وَيَومَ القِيامَةِ تَرَى الَّذينَ كَذَبوا عَلَى اللَّهِ وُجوهُهُم مُسوَدَّةٌ ألَيسَ في جَهَنَّمَ مَثوًى لِلمُتَكَبِّرينَ).. (الزمر: 60).

 

المصدر:

«المسلمون.. بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، والصادر عن «دار النخبة للطبع والنشر والتوزيع»، للباحث والمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫7 تعليقات

  1. اللهم اعينا على تدبر الآياتُ الكريمة التى تخاطب العقول داعيًا عبادَه للتفكّر في رسالته وما تضمّنته من آيات تنير للعقول طريقَ الحياة وتهديهم الى الله عز وجل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق