المرصد

القرآن تنبأ بـ «الفتنة الكبرى»

الخطاب الإلهي اكتمل بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم

إنَّ المولى عزَّ وجلَّ جَعلَ الناسَ شعوبًا مختلفةً، وقبائلَ متعددةً، لا ميزةَ لإحداها على الأخرى، حيث يتطلبُ هذا التعدّدُ والاختلاف في الأعراف البشريةِ، التعارفَ بينهم، وتعلّمَ لغةِ كلٍّ منهم، ليتعاونوا فيما يُحقّق لهم الخيرَ والأمانَ والتقاربَ، من خلالِ التبادلِ التجاري والتعاونِ الاقتصادي والصناعي والزياراتِ السِياحِية والاستطلاعِية، للتعرّف على ثقافاتِ الشعوبِ، وتبادلِ العلومِ والمعرفةِ الإنسانيةِ لجميع خلقهِ، وهو وحدَه سُبحانَهُ من يحكمُ على أعمَالِهم، ويُميّزَ من يعملُ صالحًا أو طالحًا. فلا ميزةَ لأي إنسان على آخرَ إلا بما يقدّمهُ من عملٍ صالحٍ لنفسهِ، ولمجتمعهِ فلا حَصانةَ لأحدٍ عند اللهِ، إلا مَن آمنَ باللهِ والتزمَ بتكاليفِ العباداتِ والمعاملاتِ، والعملِ الصالحِ ويخاطب اللهُ الناسَ بقولهِ سُبحانَهُ: ﴿يا أيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: 13).

ولقد استمر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتلو على الناسِ رسالة اللهِ إليهم من خِلالِ آياتٍ كريمةٍ في كتابٍ مباركٍ يدعوهم للإيمانِ باللهِ الواحدِ الأحد، ويُبلغَهم رسالةَ اللهِ إليهم، ويُوضحَ لهم ما اشتبه عليهم من مفاهيم ويشرح لهم ما جاء في قصص القرآن من عبر ويوضح لهم الأسباب التي استحقوا بها غضب الله فعاقبهم على أعمالهم بزوال ملكهم وانهيار دولهم لتكون لهم عبرة فيتجنبوا أفعال من سبقهم من شرك بالله وظلم الناس، ومن استباحة الحقوق وأكل أموالهم بالباطل ولم يجعلوا العدل أساسًا لحكمهم كما أمر الله، ويُحذّرهم من مَغبة تكرار أعمالِ السابقين الذين غضب الله عليهم وأذاقهم العذاب، ويحدد الله سبحانه مهمة رسوله بقوله تعالى: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّـهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ (الأحزاب: 45 و46)، كما يعلم الناس لماذا بعث الله رسوله إليهم بقوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (الجمعة: 2).

وفي حجّةِ الوداعِ بلغ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قومه بأن الله أكمل رسالته وارتضى لعباده الإسلام دينا وأتم نعمته على الناس بقوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 3).

وبهذه الآيةِ يبلغ الرسولُ صلى الله عليه وسلم الناسَ، باكتمالِ الخِطابِ الإلهي وإتمامِ المهمّةِ الموكولة إليه. وباكتمالِ رسالةِ المولى عزَّ وجلَّ، للناس جميعًا واختتامِ تلاوةِ كتابِ اللهِ وهي تلاوة الذي أوحي إليه من ربه آيات كريمة في قرآن عظيم مخاطبًا رسوله بقوله سبحانه: (كَذَٰلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ) (الرعد: 30)، فلم يَعدْ بَعدَ ذلكَ قولٌ يُضافُ إلى كلام الله في رسالته للناسِ أو يُعدّلُ عليها أو يَحذفُ مما جاءَ فيها. وقد رضي الله لنا اتباع الإسلام دينًا ومحمدًا صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا وأن نتبع شريعة الله التي حددها للمسلمين في كتاب كريم ليكون منهج حياة للإنسان ومرجعًا وحيدًا لجميع تشريعاتنا وتعاليمه من الفضيلة والأخلاق الكريمة التي تضمنتها آيات القرآن ولقَد أنبأ اللهُ الناسَ في كتابهِ الكريم، بأن المسلمينَ سَوفَ ينقلبونَ على أعقابِهم بعدَ وفاةِ الرّسولِ صلى الله عليه وسلم، وأن هذا الانقلابَ سيحدثُ في المستقبل كما جاءَ فيَ الآيةِ الكريَمةِ قولهُ جلَّ وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإِن مَّاتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (آل عمران: 144).

إنّ الآية المذكورة أعلاه تنبئ الناسَ بما سوف يحدثُ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنّه سيحدث اختلال في مسار رسالة الإسلام والتباس في الفهم الصحيح للمنهج الإلهي مما سيترتّب عليه انصراف المسلمين عن مبادئ القرآن وتشريعاته، من قيم الأخلاق والفضيلة التي يدعو الناس إليها وسيحدث فراغًا خطيرًا في القيادة والتوجيه متسببًا في خلق حالة من الخوف والفزع على الدعوة الإسلامية، وما سيحدثه من تخبّطٍ وبلبلة في مواجهة الفراغ الإرشادي والقيادي والإداري الذي تركه الرسول بعد وفاته، إضافة إلى الأخطار المحيطة بهم من قوى الشر والظلام أعداء رسالة الإسلام الذين يريدون القضاء على الخطاب الإلهي للناس ويمنعونه من الانتشار عند الناس لما رأوا الإقبال على مبادئ القرآن بما تطالب به من الحفاظ على حقوق الإنسان والحكم بينهم بالعدل وتحرير الرقيق وتحريم استعباد الناس، لأن الله خلقهم أحرارًا والمساواة بين جميع البشر دون تمييز لصاحب سلطة أو صاحب ثروة، ولا تفرق بين الناس على أساس المذاهب أو اللون أو التقاليد تدعو للرحمة والعدل والحرية والسلام.

 

المصدر:

«المسلمون.. بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، والصادر عن «دار النخبة للطبع والنشر والتوزيع»، للباحث والمفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق