تدبر القرآن ليس مهمة النبي

وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم هي التبليغ فقط بآيات الذكر الحكيم

أحمد صبحي منصور

أحمد صبحي منصور

مفكر مصري، وأحد رواد حركة القرآنيين التنويرية، الداعية إلى إحياء الخطاب الإلهي، والحد من توغل الخطاب الديني المشوه.
أحمد صبحي منصور

آخر أعمال الكاتب أحمد صبحي منصور (كل المقالات)

تعليقًا على مقال (هل كان النبي محمد يعلم كل ما في القرآن)، سأل الأستاذ صادق علي: (نحن نعلم من خلال آيات القرآن، کل مسلم ومسلمة هما مأموران بأن يتدبرا القرآن بما فيهما النبي، أليس کذلك؟).

وأقول: تدبر القرآن الكريم ليس مهمة النبي، تدبر القرآن ودراسته مهمة الناس.

والأمر يحتاج توضيحًا:

أولًا: لو كان للنبي تدبر للقرآن أو كما يقولون (تفسير للقرآن) لترتب على ذلك:

1 ـ أن يكون للإسلام مصدران (القرآن) و(تفسير) النبي للقرآن. ويكون مطلوب الإيمان بهما معًا، ولكن الإيمان هو بحديث الله جل وعلا في القرآن وحده (الأعراف 185، المرسلات 50، الجاثية 6: 11).

2 ـ مع وجود (تفسير) للرسول فلن يجرؤ أحد على كتابة ما أسموه بتفسير القرآن، ولكنهم كتبوا العشرات من (التفاسير).

3 ـ في العصر العباسي تطرف بعضهم في الافتراء فكتب (تفسيرًا) لبعض الآيات، وزعم أن النبي هو الذى قاله، وحمل هذا اسم (التفسير بالمأثور)، وتصدى لهم ابن حنبل فقال كلمته المشهورة: (ثلاثة لا أصل لها: التفسير والملاحم والمغازي).

ثانيًا: القرآن وحده هو الذي يفسر نفسه.

1 ـ قال جل وعلا: (وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) (الفرقان). مصطلح (تفسير) لم يرد في القرآن الكريم إلّا في الآية الكريمة السابقة مؤكدا أن أحسن التفسير هو تفسير القرآن لنفسه بوصفه الكتاب المبين (أي المبين بذاته) وآياته (بينات ومبينات).

2 ـ ولأنه مبين بذاته فهو بقراءته يكون البشير والنذير، وبهذا جاء وصف رب العزة للقرآن الكريم، قال جل وعلا: (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلا تَعْبُدُوا إِلا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)) (هود). (تَنزِيلٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قرآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (4)) (فصلت).

3 ـ الرسول في حياته كان بشيرًا ونذيرًا، ويستمر القرآن بعد موته نذيرًا للعالمين إلى يوم القيامة، قال جل وعلا: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)) (الفرقان)، ورحمة للعالمين، قال جل وعلا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)) (الأنبياء).

4 ـ بمجرد قراءته يكون القرآن الكريم نذيرًا وبشيرًا، هكذا كان النبي يقرأه إنذارا وتبشيرا، لم يكن ينذر أو يذكّر بكلامه بل بآيات القرآن، قال جل وعلا: (وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51)) (الأنعام). (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ) (70)) (الأنعام). (فَذَكِّرْ بِالْقرآن مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)) (ق).

5 ــ وهكذا يفعل كل من يدعو إلى الله جل وعلا بالقرآن الكريم وحده (على بصيرة) متبعا النبي محمد بعد موته، قال جل وعلا: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي) (108)) (يوسف). والقرآن الكريم بذاته هو (بصائر للناس) قال جل وعلا: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا) (104)) (الأنعام). (هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)) (الأعراف). (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)) (الجاثية).

ثالثًا: وظيفة الرسول هي التبليغ فقط

1 ـ كل الرسل ما عليهم إلا البلاغ، قال جل وعلا: (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (35)) (النحل)، وأرسل الله جل وعلا ثلاثة رسل إلى قرية فقالوا لأهلها: (وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17)) (يس).

2 ـ وتكرر قوله جل وعلا (لخاتم المرسلين) إن عليه فقط البلاغ المبين ـ أي بالكتاب المبين ـ ويأتي هذا بأسلوب القصر والحصر، قال له جل وعلا: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (82)) (النحل). (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ (20)) (آل عمران) (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40)) (الرعد)، (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلا الْبَلاغُ) (48)) (الشورى).

3 ـ وتكرر قوله جل وعلا (عن خاتم المرسلين) إن ما عليه هو البلاغ المبين ـ أي بالكتاب المبين ـ ويأتي هذا بأسلوب القصر والحصر، قال جل وعلا: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (54)) (النور)، (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (18)) (العنكبوت). (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (92)) (المائدة). (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99)) (المائدة). (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (12)) (التغابن).

رابعًا: تبليغ الرسول يعني حصر وظيفته في التبشير والإنذار

طالما أن وظيفته التبليغ فقط فالتبليغ يعني التبشير والإنذار بآيات القرآن. ويأتي الأسلوب هنا بالقصر والحصر، أي فليس الرسول إلا مبشر ومنذر.

1 ـ وهي وظيفة كل المرسلين من رب العالمين، قال جل وعلا: (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) (48)) (الأنعام)، (الكهف 56).

2 ـ وهذا ما جاء خطابا مباشرا لخاتم المرسلين من رب العالمين. قال له ربه جل وعلا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56)) (الفرقان).

3 ـ وتفصيلات التبليغ والتبشير والإنذار جاء في قوله جل وعلا للنبي: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8)) (الفتح). وفي تفصيل أكثر في قوله جل وعلا له: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46) وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47)) (الأحزاب).

4 ـ وهذا بأن يقرأ القرآن عليهم بمجرد نزوله، قال جل وعلا عن نزول القرآن متفرقا: (وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقرآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا (106)) (الإسراء). أي ليقرأه آياته على الناس كلما نزلت عليه.

خامسًا: تدبر القرآن مهمة الناس وليست مهمة الرسول

1 ـ وطالما قد تم حصر وقصر مهمة الرسول على التبليغ والإنذار والتبشير فإن مهمة تدبر القرآن ليست عليه، ولكنها على الناس، المؤهلين للتدبر.

2 ـ ولهذا يأتي التدبر في سياق دعوة العُصاة المعرضين عن القرآن ليتدبروا القرآن.

2/ 1: قالها جل وعلا عن المنافقين الذين كانوا يدخلون على النبي يقدمون فروض الطاعة ثم يخرجون من عنده يكذبون عليه، قال جل وعلا عنهم للنبي: (وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقرآن وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (82)) (النساء).

2/ 2: وقالها جل وعلا عن الصحابة العُصاة: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)) (محمد).

2/ 3: وقالها جل وعلا عن كفار العرب: (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمْ الأَوَّلِينَ (68)) (المؤمنون).

سادسًا: دراسة القرآن مسئولية الناس وليس الرسول:

دراسة القرآن هي تدبره.

1 ـ الربانيون هم الذين يدرسون الكتاب ويعلمونه للناس، قال جل وعلا: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (79)) (آل عمران).

2 ـ كانوا يتهمون النبي بأنه (درس) الكتب السابقة، ونزل الرد بأن بيان القرآن في القرآن، قال جل وعلا: (وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ (106)) (الأنعام).

3 ـ وأخبر رب العزة أن بعض أهل الكتاب درسوا الكتاب ولم يعملوا به، قال جل وعلا: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) (169)) (الأعراف).

4 ـ وقال جل وعلا (عن) الكافرين: (وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44)) (سبأ).

5 ـ وردا على زعمهم قال جل وعلا (لهم): (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَتَخَيَّرُونَ (38)) (القلم).

 

المصدر:

موقع أهل القرآن الإلكتروني

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق