المفهوم الحقيقي للجهاد في سبيل الله

بَذلُ الجُهدِ والطَّاقةِ وتَحمّلُ المشقّةِ في سبيلِ تحقيقِ أوامرِ اللهِ سُبحانَهُ وتعالى

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

باحث ومفكر إماراتي، مهتم بالشأن العربي وما آل إليه حال الأمة العربية. له العديد من الكتب والأبحاث التي تناولت دعوته إلى إحياء الخطاب الإلهي والتمسك بأن يكون القرآن الكريم هو الدستور والمرجعية الوحيدة للمسلمين.
المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

آخر أعمال الكاتب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (كل المقالات)

إنَّ كلمةَ الجهادِ كَمَا وردتْ في القرآنِ الكريم، جاءتْ حاملةً معناهَا وتفسيرَها، فالجهادُ هو بَذلُ الجُهدِ والطَّاقةِ وتَحمّلُ المشقّةِ في سبيلِ تحقيقِ أوامرِ اللهِ سُبحانَهُ في مجاهدة النفس وتطويعها لتطبيق مبادئ المنهج الإلهي الذي يرتقي بشخصية الإنسان في عباداته وأخلاقياته والالتزام بما حرمه الله والتغلب على هوى النفس الأمارة بالسوء والتي يستدرجها الشيطان إلى طرق الغواية، هذا الجهادُ يبدأ من اليومِ الأولِ لِوَعْي الإنسان بضروراتِ الحياةِ الكريمةِ، وما تتطلّبُها من أشكالٍ مختلفةٍ في بَذْلِ الجهد المخلص في التمسّك بتكاليف العبادات وتأدية المشاعر الدينيّة وترجمتها إلى سلوك يومي باتباع المنهج الإلهي في السلوك الإسلامي الذي أمرنا الله باتباع القيم النبيلة وممارستها مع الناس جميعًا، أولها الرحمة والعدل والإحسان وعدم الاعتداء على حقوق الناس ونشر السلام ليتحقّق الأمنُ والاستقرار.

 

الجهادِ في زمنِ السِّلم:

  • قالَ تَعَالى: ﴿ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رِبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۖ وَهُوَ أعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين) (النحل (521. والآية المذكورة تبين الجهاد بالدعوةِ والحكمةِ والموعظةِ الحسنة للتعريف برسالة الإسلام التي تدعو للأمن والسلام والتعاون والعدل والرحمة بين الناس يتحقّق بها الاطمئنانُ للنفس وتحيطها السكينةُ لتمنح الإنسان شعورًا بالإيمان بقوة الله وقدرته وتقوّي من عزيمته وتدفعه للعمل الصالح، وما يحقّق به من تأمين رزقه ورعاية أسرته وأمنه في حياته الدنيا ليعيش الحياة هانئًا وسعيدًا مطمئنًا برحمة الله وبما ييسر له من خير، ويكشف عنه من ضرر، يعده الله بقوله سبحانه: (إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم) (يونس 107).
  • وقَالَ تَعَالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ السَّيِّئَةَۚ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون 96). وهنا الجهادُ بالدَّفعِ بالقولِ الحَسَن حيث يتطلب هذا الأمر مغالبة النفس وكبح جماحها والسيطرة عليها في رد الفعل، وهذا أشد أنواع الجهاد لكي يتجنب مضاعفات الموقف وما سيترتب عليه من إشكاليات يعلمها الله.
  • وقَالَ تَعَالى: ﴿وَلَا تَسَتوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (فصلت 34)، وهذه الآية تستدعي مجاهدة النفس بقوّة الإيمان وتطويعها لتستقبل السيئة بالحسنة، ويتحول لديها ردّ الفعل الغاضب إلى ردّ حليم يحمي الإنسان ممّا يترتّب على عدم السيطرة على النفس من مضاعفات لا يحمد عقباها، وتكون له القدرة باستيعاب الطاقة السلبية لتتحول بإيمانه بالله إلى طاقة إيجابية تحميه من التشاجر الذي قد يؤدي إلى مشاكل جمة وإلى صراع بينه وبين غريمه.

 

الجهادُ في زَمنِ الشّدائد:

إنَّ الجهادَ هو تحمّلُ المشاقِ في سبيلِ الدّينِ والصبرُ على أعبائِهِ، ومجاهدةُ النفسِ وكبحُ جِماحِهَا عن السّقوطِ في المعصيةِ، والتحكمُ بالنَّفسِ الأمّارة بالسوءِ في سعي الإنسان إلى الاعتصامِ بكتابِ اللهِ وتنفيذِ أوامرِهِ والابتعاد واجتنابِ نواهِيِه، والإقدامُ على التقرّبِ إلى اللهِ بالعملِ الصالحِ من عباداتٍ وإنفاقٍ وصدقاتٍ وتقديمِ يدِ المساعدةِ للمحتاجِ والفقيرِ وابنِ السَّبيل.

أما دَعوةُ الجهادِ هي النفيرُ العامُ والاستعدادُ لمواجهةِ الأعداءِ والدّفاعُ عَنْ الأرض والعرضِ وتتضمّنُ ما يلي:

1- المساهَمةُ بالمالِ في الإعدادِ والتجهيزِ لقواتِ الدّفاعِ.

2- دعوةُ المتطوّعينَ للالتحاقِ بالتدريبِ في مرحلةِ الإعدادِ للمُواجَهَةِ وإعداد القوة اللازمة لردع العدوان اتباعا لقوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم).

إنَّ الجهادَ ليسَ دعوةً للاعتداء على الآخرين، بل هو تنفيذُ أوامرِ اللهِ في مواجهةِ الأعداءِ الَّذِين يريدونَ شرًّا ومَنْعُهم من الاستيلاءِ على ثَرَواتِ الناسِ، واستباحةِ حُرُماتِهِم. وَقَدْ وَضَع اللهُ في تشريعِهِ ضوابطَ القتالِ وِفْقَ الآيةِ الكريمةِ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (البقرة 190)، وهي حالةٌ واحدةٌ فَقطْ في حالة الدفاع عن النفس والأرض والعِرْضِ والمالِ، وحتّى في حالة الانتصار على العدوِ وضَعَ اللهُ حُكمًا آخرَ بقولِهِ سُبحانَهُ: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنفال 61).

فاللهُ سُبحانَهُ مِن رَحمتِهِ يريدُ السلامَ لعبادهِ وأن يَعيشوا مُتحابّينَ ومُتعاونينَ حيثُ يَقولُ سُبحانَهُ وتَعَالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة 2).

 

الجهادُ على تَكاليفِ العِباداتِ:

إنَّ تكاليفَ العباداتِ بالبُعدِ عن المحرّمَاتِ، تحتاجُ إلى مُجَاهدةِ الرَّغباتِ الغَرائِزيّةِ وما تحمِلُه مِنْ نَوازعَ مُختلفةٍ، حيثُ تميلُ النفسُ كثيـرًا للمعصيةِ، والشر والخِداع والظلم والخيانةِ وعدمِ الوفاءِ بالعهودِ واستباحةِ حُقوقِ الناسِ، وقَتْلِ النفسِ التـي حرّم اللهُ إلّا بالحقّ، والغِيبةِ والنّميمةِ ونَشْر الإشاعاتِ ابتغاءَ الفتنةِ، كلُّ تلكَ الصفاتِ المكروهةِ تتحكّم في غريزةِ النفسِ البشريّة وجهادُها يتطلّبُ عَزيمة وإيمانا، وصبرا، وقبلَ كلِّ ذلكَ تَقوى اللهِ حَيث إنَّ مواجهةَ النفسِ وكبحَ جماحَها، هوَ صراعٌ بين الحقِّ والباطِلِ يكادُ يكونُ أشدَّ قوةً مِن معاركِ القتالِ، فالإنسان يحاربُ عَدوًّا بِداخِلِه يساعدهُ في التغريرِ بهِ شَيطانٌ تَوعّدَ الإنسان أمام اللهِ عند خَلقِ آدمَ عندَما قالَ ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أجْمَعِينَ﴾ (ص 82).

وأيضا ﴿قالَ فَبِما أغوَيتَني لَأَقعُدَنَّ لَهُم صِراطَكَ المسُتَقيمَ﴾ ﴿ثمَّ لَآتِيَنَّهُم مِن بَينِ أَيديهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أيمانِهِم وَعَن شَمائِلِهِم وَلا تَجِدُ أَكثَرَهُم شاكِرينَ﴾ (الأعراف 16 ـــ 17).

وقالَ تعالى ﴿رَبُّكُم أعلَمُ بِكُم إِن يَشَأ يَرحَمكُم أَو إِن يَشَأ يُعَذِّبكُم وَما أَرسَلناكَ عَلَيهِم وَكيلًا﴾ (سورة الإسراء آية 54).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق