رؤى

«تصويب» الخطاب الدينى (1-3)

حلمي النمنم

حلمي النمنم

كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982 وتولى منصب وزير الثقافة في عام 2015.
حلمي النمنم

آخر أعمال الكاتب حلمي النمنم (كل المقالات)

عقب أحداث 11 سبتمبر 2001، ظهرت الحاجة إلى «تصويب» الخطاب الدينى، كانت هناك رغبة لتبرئة عموم المسلمين والإسلام ذاته، مما حدث فى الولايات المتحدة، من تدمير لبرجى مركز التجارة العالميين وأن تنظيم القاعدة وقائده أسامة بن لادن، ليسوا هم الإسلام وليسوا كل المسلمين، فضلا عن تبرئة الحكومات من شبح أى اتهام بالمسؤولية أو تحمل جزء من المسؤولية عما حدث، وكان المؤرخ الأمريكى- البريطانى الأصل – برنارد لويس ذكر فى كتابه «أين الخطأ؟» أن الإسلام برىء مما قام به بن لادن وأن جموع المسلمين لا علاقة لهم بما جرى، ولكن لم تحدث إدانة كبرى وعلى نطاق واسع من القيادات ومن المؤسسات الإسلامية لهذا الاتجاه إلى العنف، وأعلنت إدارة بوش الابن أن استبداد الحكومات فى العالم العربى السبب فى ظهور هذا الإرهاب، ومن ثم وجب استبدالها بحكومات ديمقراطية، وحدث ما حدث فى العراق سنة 2003، حيث جرى احتلاله أمريكياً وإسقاط الدولة العراقية ومحاكمة الرئيس صدام حسين، وظهر تعبير كوندليزا رايس.. «الفوضى الخلاقة» لتبرير وتهدئة المخاوف العربية مما جرى فى العراق بعد احتلاله، حيث ظهرت موجات عنف مذهبى وطائفى حادة، فضلا عن تخريب بل تدمير تام لكثير من المؤسسات العراقية وتبين وجود جماعات عنف عديدة ملتحفة بالدين؛ فى هذه الأجواء ظهر الحديث عن «تصويب» الخطاب الدينى فى عدد من البلدان، فى مصر وتونس والمغرب واليمن والمملكة العربية السعودية، وهناك جهود بذلت فى هذا الصدد.. مؤتمرات عقدت وبيانات صدرت، وثائق أعلنت لمواجهة هذه المشكلة، فى مصر تولت مكتبة الإسكندرية هذه المهمة، وتحديداً منتدى الحوار بها، وفى يونيو 2003 ألقى د. حمدى زقزوق، وزير الأوقاف آنذاك، محاضرة بعنوان ««تصويب» الخطاب الدينى» وأعقبها حوار مفتوح حول نفس القضية أداره د. جابر عصفور؛ وشهدت مصر فى تلك الفترة سياسات ما بات يعرف باسم المراجعات التى شهدها سجن العقرب وسجون أخرى قام بها أعضاء الجماعة الإسلامية، وأشرف على تلك المراجعات جهاز مباحث أمن الدولة.. فى رغبة من الدولة المصرية لتصفير ملف التشدد والتطرف والإرهاب، حتى لا يصيبنا ما أصاب أفغانستان والعراق؛ وظل حديث ال«تصويب» قائما، حتى وجدنا الرئيس مبارك يطالب به فى خطاب له سنة 2010 أثناء إحدى المناسبات الدينية. وللحق فإن أحداً لم يقف كثيراً عند دعوة الرئيس تلك واعتبرت مجرد جملة عابرة أو بروتوكولية فى خطاب تقليدى يلقيه الرئيس فى مناسبة تقليدية أيضا، بمعنى أن رئاسة الجمهورية لم تهتم بالأمر ولا الحكومة ولا الإعلام الرسمى، الذى لم يهتم حتى بإبراز تلك الدعوة التى ألقاها الرئيس.

كان الحديث عن ال«تصويب» مقصودا به هنا أننا لا نحمل شرا ولا كراهية للعالم، وأننا لا نقر ما جرى فى 11 سبتمبر وما جرى فى لندن وإسبانيا من عمليات إرهابية، وقفت خلفها جماعات أو خلايا من المتأسلمين، ولم يكن مقصوداً به أن هناك خطرا داخليا علينا، أقصد داخل مجتمعنا، ويتضح ذلك من قراءة نص محاضرة العالم الجليل د. زقزوق، رغم أن الخطر كان يحدق بنا، وكان يتضح فى بعض العمليات الإرهابية التى كانت تتم، فى المتحف المصرى بميدان التحرير، مثلا، وفى طابا سنة 2004، وغيرها، فضلا عن بعض الأعمال الإرهابية التى كانت تتم بحق مواطنين مسيحيين مصريين وحول بعض الكنائس، كما جرى فى الإسكندرية مثلاً. ولم يذكر أحد وقتها أننا عانينا الإرهاب وجماعات العنف، قبل عملية 11 سبتمبر، عانيناه فى مصر حين جرى اغتيال رئيس الجمهورية فى 6 أكتوبر ١٩٨١، وجرى الاعتداء فى اليوم الثانى على مديرية أمن أسيوط وقتل عشرات الجنود الأبرياء، ثم عانيناه مع عودة «الأفغان العرب» نهاية الثمانينيات؛ وكان الغرب يعيرنا بذلك، وكانت دول الغرب تحاسبنا حساب الملكين عن الديمقراطية وحقوق الإنسان فى التعامل مع الإرهابيين، ولم يلتفتوا إلى معنى اغتيال د. فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، فضلا عن الاغتيال المعنوى للمفكر نصر حامد أبوزيد، وتهديد آخرين بالاغتيال. ورغم معاناتنا تلك فإن معتقل «جوانتانامو» لم يظهر عندنا، بل أقامته الولايات المتحدة بسبب عملية واحدة تعرضت لها، فما بالنا وبلادنا تعرضت لعشرات العمليات؟ ولم يقل أحد بوضوح إن «تصويب» الخطاب الدينى هو ضرورة داخلية وقضية أمن قومى من الطراز الأول، لأنها تمس وطنية الدولة ومدنيتها وكذلك مدنية المجتمع والحياة العامة للمصريين والمصريات وحمايتهم من شرور التكفير والطائفية المقيتة.

سوف نلاحظ أن حديث «تصويب» الخطاب هنا، كان معنياً به وزير الأوقاف، وبمعنى أدق هو الذى تصدى له، ربما لأنه رجل مستنير من الأصل ويدرك خطورة التشدد، لذا فقد أصدرت الوزارة وقتها كتاب («تصويب» الخطاب الدينى.. كيف ولماذا؟) ثم كتاب (دليل الإمام إلى «تصويب» الخطاب الدينى)، كما عقد ندوة مشتركة فى القاهرة مع نظيره التونسى وعدد من علماء تونس حول هذا الموضوع.. أما المؤسسة الدينية الرسمية، أقصد الأزهر الشريف فقد كان بعيدا عن هذه المهمة، لم يطالبه أحد بال«تصويب»، ولا بدا أنه منخرط فى القضية أساساً ولا معنىّ بها اللهم إلا بعض أحاديث أدلى بها فضيلة الإمام الأكبر د. سيد طنطاوى فى هذا الملف، وبينما كان الحديث عن ال«تصويب» يجرى فى جانب، كان على الأرض فعل آخر مناقض تماما لهذا ال«تصويب»، كان هناك دعم سياسى ضخم لجماعة الإخوان، فى النقابات وفى خوض انتخابات مجلس الشعب، لنتذكر جيداً أنه فى كل المرات التى نجح فيها صلاح عبدالمقصود فى انتخابات مجلس نقابة الصحفيين، كان اسمه فى قائمة الأعضاء التى يخوض بها المرشح الرسمى موقع النقيب، وتركت الأحياء والمناطق العشوائية للإخوان وللسلفيين، رفعت الحكومة يدها عنها لهم؛ ورد «الإسلام السياسى» التحية بأحسن منها، غض الإخوان الطرف علناً عن الدور السياسى للسيد جمال مبارك، وأرسلوا بعض الإشارات العلنية لتأييده، مثل تصريح د. عصام العريان أيام الانتخابات الرئاسية سنة 2005 فى مداخلة مع قناة الجزيرة بأن مصر بها مشاكل كبيرة وهذه المشاكل لن يحلها إلا الرئيس مبارك أو نجله جمال مبارك، أما الجماعات السلفية فبعضها قالت بوضوح إن جمال هو «ولى العهد»، وإن وجوده ضمان للأمن وللاستقرار، لكن لم يلتفت أحد إلى ما دون ذلك، وكان واضحا فى أمور عديدة أن المجتمع المصرى يجرى دفعه نحو حالة من التشدد والتزمت تهدد تماسكه ووحدته وتنذر بموجات عنف وإرهاب.

ومع ذلك أو بسبب ذلك فإن «تصويب» الخطاب الدينى على النحو الذى نادى به وعمل عليه وزير الأوقاف وسعت إليه مكتبة الإسكندرية لم يتحقق، لنتذكر أن محاولة د. زقزوق لفرض الأذان الموحد قوبلت بحرب ضروس من قوى كثيرة ولم تساندها المؤسسة الرسمية، وكان الهدف من الأذان الموحد فرض نوع من التنظيم على الزوايا التى نشأت بعيداً عن وزارة الأوقاف، وليس هنك سيطرة عليها من أى نوع، فضلا عن أن القانون لا يصل إليها.

ومضت الأيام وغادر الرئيس مبارك موقعه فى 11 فبراير 2011، لنكتشف جميعاً أنه لم يتم «تصويب» للخطاب الدينى، على أى مستوى، بل حدث انتكاس له.

بقلم: حلمي النمنم

المصدر:
موقع «المصري اليوم»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق