التربية الإنسانية في هدي القرآن (1-2)

احترام حقوق أبنائنا هو السبيل لتربية سوية

قد يعتقد بعض الأهل أن التربية ما هي إلا مجموعة من الأوامر والنواهي، ويظنون أن الابن المثالي هو المطيع بشكل مطلق لكل أوامرهم والمبتعد عن نواهيهم. لكن التربية لا تُقاس بالطاعة، ولا باجتناب المحظورات المجتمعية المتعارف عليها؛ إنما تُقاس بما نود أن نحققه من أهداف، وما نأمله من أبنائنا.

إن كنت تريد من ابنك أن يكون مجرد رقم في سجلات المجتمع، رقم داخل الصف لا يحيد عنه ولا يُبدع ويعيش لتلبية توقعات الآخرين، فما عليك سوى اتباع طريقة التربية التقليدية؛ أما إن أردت أن يكون ابنك إنسانًا بما تحمله الكلمة من مبادئ وقيم سامية؛ كالحق والخير والعدل، ما عليك إلا أن تواصل قراءة الأسطر القادمة.

إن قيمة كالاحترام مثلًا لا يمكن غرسها في أبنائنا دون أن نقدم لهم احترامًا متبادلًا. احترام حقيقي نابع من صدق تقديرنا لهم، احترام غير نابع من خوفهم منا ولا رغبتهم في المكافأة إن هم أحسنوا التعامل. فالأهم من ظاهرهم هو باطنهم ودوافع سلوكهم، حيث إن تربية الضمير الأخلاقي لديهم أهم من كذبة منمقة يُخفون بها أخطاءهم. وأضف إلى ذلك غرس الشجاعة فيهم وتجنب كل ما يدفعهم للجبن.

إن تعاملنا الإنساني مع أبنائنا يجعلنا نتقبل أخطاءهم؛ إيمانًا بحقهم في ارتكاب الأخطاء، لا أن نصادر ذلك الحق الإنساني الشائع، ونحرمهم من خوض تجربة ستضيف لهم أكثر بكثير من نصائح نظرية لا تمنحهم فرصة الوعي بدوافعهم. فحينما تتقبل أخطاء وعيوب طفلك كخطوة أولى تمنحه الشعور بالشجاعة وعدم الخوف، ثم تناقشه دون تعنيف أو رفض، كي يدرك نتائج خطأه ومن ثمّ يسعى بنفسه لتجنبه في المرات القادمة.

في رسالة الإسلام تناول القرآن في قصص الأنبياء بعض الأخطاء التي وقعوا فيها، فهذا يونس ييأس من قومه ويتركهم دون إذن من الله تعالى، فيعاقبه الله بأن يلبث في بطن الحوت، فلولا أن كان من المسبحين المستغفرين لما خرج منه، (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) ۞ فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ (148)) (الصافات). وكذلك عاتب ربنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في سورة عبس، حيث قال: (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ (1) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (7) وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ (8) وَهُوَ يَخْشَىٰ (9) فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11)).

وهكذا فمن حقوقنا الإنسانية الخطأ وفرص التعلم لا تنتهي، ولذا من أسماء الله تعالى (التوّاب) أي كثير التوبة، وما كان كثير التوبة إلا أننا خطّاءون.

وتلك قيمة واحدة من قيم التعامل الإنساني، الذي يجب أن تتبعه التربية الإنسانية لأبنائنا.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق