رؤى

الطمع في رحمة الله!

أدعياء العلم وتجار المُجُون لعبوا بعقول الناس، حتي رأينا عجائب من سلوكيات بعض المسلمين

د. محمد أبو زيد الفقي

د. محمد أبو زيد الفقي

عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية بكفرالشيخ سابقًا، وأستاذ بجامعة الأزهر. له إسهامات عديدة في مجال إحياء المجد الإسلامي.
د. محمد أبو زيد الفقي

آخر أعمال الكاتب د. محمد أبو زيد الفقي (كل المقالات)

في البداية لا يمكن لأحد أن يحدد رحمة الله تعالي بالنسبة لغيره، وهي التي نعيش عليها جميعا، وهي سر وجودنا وبقائنا، إلا أننا في هذا المقال نتحدث عن الطمع في رحمة الله تعالي «بلا استحقاق»، ونناقش بعض الآيات القرآنية التي استند عليها بعض الناس، لجعل الرحمة هي الأساس في العلاقة بين العبد وربه، بصرف النظر عن عمل العبد وسلوكه، وهي كما يلي:

الآية الأولى: قوله تعالي: [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ] فبعض العلماء والعامة يُجزؤون هذا الجزء من الآية وينامون عليه، وأصبحت هذه الأية تبريرا لكل مُصرٌ علي المعصية، وتداخلت سلوكيات الناس، حتي لا يكاد الباحث المدقق يعرف لها سمات أو ملامح، أو أطر محددة.

ولو أكمل أدعياء العلم، وأصحاب المخالفات قراءة الآية كاملة، لعلموا أن رحمة الله هنا مقيدة للغاية، وشديدة التعقيد، فالله تعالي يقول: [وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ].

فالرحمة في هذه الآية لا تخص إلا المتقين، والتقوى هي الابتعاد عن الذنب، وليس الوقوع فيه، لأنها من الوقاية.

ثم يأتي الشرط الثاني: [وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ] والمال شقيق الروح، والذي يخرجه يتزكيَّ، بمعني يخرج الزكاة، ويتطهر من الرجس، ومن كل الذنوب.

والشرط الثالث: [وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ]

فهذه الشروط الثلاث، تجعل الرحمة تكون عن استحقاق ونتيجة توبة خالصة [يَتَّقُونَ] وعمل صالحات [وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ] وإيمان كامل [هم بآياتنا يؤمنون] والآيات تعني آيات الوحي في القرآن الكريم، والآيات الكونية في حركة الكون، والآيات الإنسانية، في حركة الإنسان في الظاهر.

وحركة جسده من الداخل شاملة حركة الخلايا، وما بين ذرات، وما بالذرات من أجزاء داخلية [نيوترونات – إلكترونات] وهكذا، فالأمل في هذه الآية «بلا عمل وتقوي»، هو ضرب من الخيال المستحيل.

الآية الثانية: اجتمع الناس حول قوله تعالي: [قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ].

ولعب أدعياء العلم وتجار المُجُون بعقول الناس، حتي رأينا عجائب من سلوكيات بعض المسلمين، لأنهم سمعوا من بعض المشايخ: [أن الحسنات يذهبن السيئات] وفهمُوِا الآية خطأ، و أفهموهم ما فهموا.

ولو عدنا إلي الآية، في قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}.

ورجعنا إلي معظم التفاسير نجد أن هذه الآية وما بعدها لا علاقة لها بالمسلمين البتَّة، إنما هو باب أمل يفتحه الله تعالي لأصحاب الديانات الأخرى السماوية والوضعية والوثنية.

ويقول للجميع مهما أسرفتم في زمن الكفر، فتعالوا إلي واحة الإيمان، وادخلوا فيها، ولا تجعلوا ذنوبكم أيام الكفر قيدًا في أرجلكم وسدا عاليا يمنعكم من الوصول إلينا.

أ – الآية التالية لهذه الآية، وهي قوله تعالى: [وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ]، تعني أن الله تعالي يخاطب أناس غير مسلمين.

وفي الآية الأخيرة من هذه المجموعة يقولرب العزة: [بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ]. وهذا الكلام لا يقال لمؤمن أو مسلم.

ولكي تتضح الصورة سأنقل هذه الآيات كاملة:

يقول رب العزة سبحانه وتعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ }.. (الزمر: 53 – 61).

يجب ترك أوهام بعض الناس، والسير السريع نحو مرضاة الله، لأنه بذنوبنا أعطانا الله جهلا يغنينا عن كل علم.

المصدر:

الموقع الرسمي للدكتور محمد أبو زيد الفقي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق