عندما يتحول الدين إلى أيديولوجيا!

قادة الجماعات المتطرفة يستعملون «اللغة الأعجمية» لاستقطاب العامة

د. عمار علي حسن

د. عمار علي حسن

كاتب وباحث مصري، له العديد من الإسهامات الفكرية في كشف زيف ما يسمى بـ«الإسلام السياسي» والجماعات والتنظيمات الأصولية.
د. عمار علي حسن

آخر أعمال الكاتب د. عمار علي حسن (كل المقالات)

يتعامل المتطرف مع اللغة، على أنها كلمات زاعقة لا تنشغل بإقناع الناس، إنما بتخويفهم أو خداعهم، تخاطب عواطفهم وتهين عقولهم، وتبدو أشبه بأحجار مسنونة تلقى فى وجوه سامعيها، ومع هذا فلن تكون أكثر من رغاء صابون تأكله شمس الحرية والوعى حين تشرق فى صباح الله والناس.

من الطبيعى أن ينطوى خطاب المتطرفين على مبالغة، ويزيد الأمر حين يكون التطرف على أساس دينى، إذ إن النصوص التى يتم الاستناد إليها فى تأويلات متجاوزة، هى نصوص بليغة فى حد ذاتها، ويتم استدعاؤها لتؤدى دورا ملموسا فى توظيف اللغة من أجل تزيين الخطاب، وتبرير المسلك العنيف.

لكن كون هذه النصوص متاحة لتأويلات مغايرة فإن هذا يحد من توظيفها الكامل فى تلك المبالغات، لتظهر أدوارا أخرى لآراء السابقين من الفقهاء والمفسرين ومنتجى الآداب السلطانية، فتتم استعارتها لتسند تلك المبالغات وهى طيعة طيلة الوقت، إذ تطلق فى خطاب آنى، وتتم إذابتها فيه، لمعالجة سياقات راهنة، وهى تأخذ أشكالا متعددة بدءا من التناص وحتى الاقتطاف بل السطو على هذا المنتج اللفظى، لينسب إلى الذين ينطقون به حاليا.

فى المقابل تهمل تلك الجماعات التراث البلاغى العربى الصرف، لأنه ينطوى على أساليب للحجاج والاختلاف والإقناع، بينما هى تميل إلى السمع والطاعة، وتعتبر الحجاج جدلا، وتنفر من احتوائه على تأويلات عدة، تنفتح بها المعانى على فضاءات رحبة، حيث تفضل هى القول الواحد المقطوع زعما بصحته، علاوة بالطبع على أن بعض البلاغيين العرب كانوا ينتمون إلى تيار لا يحبذه المتطرفون، بل يستهجنونه ويكفرون أصحابه، كالمعتزلة والفلاسفة والمتصوفة.

وحضور اللغة فى خطاب المتطرفين هؤلاء لا يقف عند حد الاستعانة بالكلمات ذات الإيقاع المدوى، التى يدقون بها طبول حرب دائمة، إنما تتوالى سلسلة من المجازات لا تنتهى، كأن يتحدث سيد قطب عن «الجيل الفريد» و«الجيل الربانى» و«الغرب الحاقد» و«المجتمع الجاهلى»، ويقسم أسامة بن لادن العالم إلى «فسطاطين» ويرى الرجل الثانى بعده فى تنظيم القاعدة أيمن الظواهرى أن أتباعهما «فرسان تحت راية النبى»، وتتحدث «داعش» عن «إدارة التوحش».

ويسرى هذا فى فضاء مشروع مجازى بالأساس نظرا لعدة اعتبارات، أولها أن الجماعات الدينية المتطرفة تستدعى ماضيا لن يعود، بل إن فيها من يرحل إلى هذا الماضى بأفكاره ومشاعره، وثانيها أن قادة هذه الجماعات يستعملون، على الأرجح، لغة معجمية غير متداولة تغلب عليها النزعة العاطفية أو الوجدانية، ويظنون أنها تؤدى الوظيفة نفسها التى كانت تقوم بها فى الماضى.

وثالثها أن هؤلاء يضفون بطولات أسطورية على أشخاص ليسوا أبطالا بالضرورة، فيبالغون فى وصف كل منهم حسب دوره، فراوى الحديث يصبح ذا ذاكرة فولاذية، والمقاتل يبقى جسورا قادرا على أن يصرع المئات فى ضربات خاطفة أثناء النزال، والفقيه يصبح «حجة الإٍسلام» و«شيخ الإسلام»، وهكذا.

أما الاعتبار الرابع فإن هذه الجماعات تسيطر عليها دوما حالة من الغرور، أو الشعور الزائف بالقوة، والقدرة على فعل أى شىء، فى أى وقت، وأى مكان، فهم يرون أنفسهم «الفرقة الناجية» و«أصحاب الحق» و«السائرون على الطريق المستقيم» و«جيل النصر المنشود»، ولذا فإن السماء ترعاهم، وتسدد خطاهم.

والخامس هو أن خطاب المتطرفين هؤلاء يبتعد عن الواقع حين يريد أن يعيّنه، حيث يصف واقعا غير موجود، وقد يجمل الواقع الموجود، أو يخترع واقعا من خيالاته، وأحيانا يقبحون واقعا لا يمضى لصالحهم فى لعبة الصراع السياسى، فيطلقون آليات التشويه والتجريس بشهية مفتوحة، ودون أن تطرف جفونهم.

وتتجلى مظاهر المبالغة فى خطاب المتطرفين من خلال الاتكاء على الحروف أثناء الكلام، لتخرج فخيمة، والميل إلى الكلمات ذات الجرس الموسيقى الصاخب، ليكون لها وقع على الآذان، والإفراط فى استخدام الكلمات الحادة والقاطعة، وإرداف هذا بلغة جسدية تنزع إلى استعراض القوة، مع إدراك «سحر البيان»، فهم يؤمنون بأن معجزة القرآن هى البلاغة، وأن مكمن تأثيره على العرب كان فيها، وهم قوم اشتهروا بالفصاحة وذرابة اللسان، ولا يكتفى المتطرفون هنا بالاستعانة بآيات القرآن، وتفاسيرها، إنما يحاولون أحيانا مضاهاتها، بخطاب مسجوع.

كما أن هؤلاء لا يملكون، فى حقيقة الأمر سوى اللغة، فهى التى تمنحهم القدرة على تقديم أنفسهم كـ «وعد» وهم خارج السلطة، ويظنون أنها تغنيهم عن تقديم برامج حقيقية وهم فى السلطة، علاوة على أن تكوينهم الذهني يسرى على نحو تلعب فيه التعبيرات المجازية دورا واسعا.

وحين يحولون الدين إلى أيديولوجيا يزداد هذا الحضور المجازى بقدر ما فى الأيديولوجيات من خيالات وابتعاد عن المنطق أو الحسابات المدروسة بدقة، والميل إلى تضخيم الفكرة ودور معتنقيها وفتح باب الأمنيات أو الأحلام على مصراعيه. كما أن من يحمل السلاح من هذه الجماعات فى حاجة إلى استخدام لغة مشبعة بالمبالغة، تشحنه معنويا قبل الذهاب إلى ميدان المعركة، أو تجهيزه للقيام بعملية إرهابية.

 

المصدر:

مقال « المستبد والمتطرف الدينى.. كيف يبالغان معاً؟»، المنشور بموقع المصري اليوم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق