تصويب الخطاب الديني (2)

التيارات المتأسلمة استغلت الفراغ السياسى عقب أحدث 11 فبراير وفرضت نفسها على الساحة

حلمي النمنم

حلمي النمنم

كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982 وتولى منصب وزير الثقافة في عام 2015.
حلمي النمنم

آخر أعمال الكاتب حلمي النمنم (كل المقالات)

عقب أحداث الحادي عشر من فبراير 2011 وتخلى الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك عن منصب رئيس الجمهورية، كان المتوقع أن يتجه الخطاب الدينى إلى حالة من الانفتاح الشديد وأن يشهد ثورة حقيقية على التشدد والتزمت.

لم يكن هذا التوقع يصدر عن فراغ ولكن مما جرى خلال 18 يوماً بميدان التحرير، كانت مشاهد شباب الأقباط وهم يحمون ظهور الشباب المسلم عند أداء الصلاة، لافتا لانتباه المراقبين والمتابعين فى الداخل والخارج.

هذه المشاهد جاءت بعد أسابيع من الاحتدام الطائفى الحاد، وكذلك مشاركة وتواجد الفتيات والسيدات فى ميادين مصر، دون حدوث حالة تحرش واحدة، وتعامل باحترام كامل من الشباب والرجال للسيدات والفتيات، والمعروف أن مناطق التشدد فى الخطاب الدينى تتعلق فى جانب كبير منها بالأقباط أو غير المسلمين عموماً وبالمرأة.

ولكن الذى حدث فيما بعد 11 فبراير كان عكس المتوقع وضد كل المقدمات السابقة، والحق أن معظم التيارات المدنية اعتبرت تخلى الرئيس مبارك عن الحكم نهاية المشوار وليس بدايته، لذا دخل بعضهم فى صراعات تأكيد التواجد حينا والتشرذم باسم الائتلافات الثورية والبحث عن الغنائم حينا آخر.

وتصور نفر منهم أن صار لديهم حق مقدس لدى المجتمع ولدى مؤسسات الدولة، يجب أن يقدم لهم طوعا وتبتلا، ولما لم يحدث ذلك امتعضوا وانسحبوا، وعلينا الاعتراف بأن التيارات المدنية فى المجتمع، لأسباب كثيرة، كانت ومازالت هشة.

فى المقابل وجدت التيارات المتأسلمة. فى الفراغ السياسى الحادث بعد 11 فبراير فرصتها التاريخية، وراحت تعلن عن وجودها بأوضح الصور وبلا أى مواربة كما كان يحدث من قبل.

وامتلأت أرصفة شوارع القاهرة والإسكندرية والمدن الكبرى بكتبهم التى تدل عليهم وتعلن عنهم، وهكذا وجدنا فى وقت واحد ست طبعات من كتاب سيد قطب «معالم فى الطريق»، بينها طبعتان بلا رقم إيداع فى دار الكتب، أى أننا بإزاء عملية تزوير تامة.

وجدنا كذلك عدة طبعات من رسائل ومذكرات حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان.

وهناك كتاب للشيخ محمد الغزالى لم يكن يطبع ولا يوزع فى مصر، منذ أيام الرئيس السادات وهو كتاب «قذائف الحق»، إذ يتضمن الكتاب فى بعض فصوله تحريضا واضحا على الأقباط المصريين، ولما كان الكتاب مطبوعا خارج مصر، فإن الطبعة التى كانت موجودة وتباع بسعر رخيص جدا، مزورة هنا أيضا.

وعلى هذا النحو انتشرت كتبهم، وراح خطابهم المتشدد يعلو فى الزوايا وفى بعض المساجد، وأخذوا مساحة كبيرة فى الفضاء العام.

ولم يكن غريبا أن نشهد عددا من العمليات الطائفية صيف سنة 2011، ولم يكن هناك أى مبرر لها سوى أن هناك تيارات ومجموعات تعبث داخل البلد وتريد أن تفرض أمراً واقعاً على المصريين وتعيدنا إلى المربع صفر مرة ثانية، حيث الفتن الطائفية، واستهون كثيرون بالأمر، ونسبوها إلى «الطرف الثالث» الذى شاع وقتها، رغم أن بصمات بعض هذه الجماعات كانت واضحة فى تلك العمليات.

وكان الاستفتاء الذى جرى سنة 2011 على التعديلات الدستورية، فرصة أمام تلك الجماعات لتعبر عن حضورها القوى، وقد أطلقوا على عملية الاستفتاء «غزوة الصناديق».

ثم جاءت الانتخابات البرلمانية لتؤكد الحضور المؤثر، وهكذا جاء مجلس الشعب سنة 2011 وبعده مباشرة مجلس الشورى، وكانت الأغلبية فى الأول للإخوان وفى الثانى كانت الأغلبية للسلفيين، وفى المجلسين سمعنا ورأينا عجب العجاب.

هناك من اقترح مشروع قانون الهبوط بسن الزواج حتى التاسعة للفتيات، أى تزويج الأطفال، وهى جريمة إنسانية ودولية بكثير من المقاييس، وتصطدم مع اتفاقيات دولية وقعت عليها مصر.

وهناك من طرح حلاً لمشاكل مصر الاقتصادية أن تتجه مصر إلى تجارة العبيد وبيع البشر ومن عوائد تلك التجارة نسدد ديون مصر، وكان الطرح مسيئا لمصر وللمصريين ومسيئا لدين الإسلام وينكأ جراح تاريخية لدى بعض الشعوب والمجتمعات الأفريقية.

وامتلأت فضائياتهم بأفكار وآراء من هذا النوع، فضلا عن آراء وأفكار تبيح لهم العنف والاعتداء على المواطنين والمواطنات المخالفين لهم فى الفكر وفى التوجه، وتدعمت تلك الحالة من التشدد والميل إلى العنف بوجود الإخوان فى السلطة.

فى الوقت ذاته ارتفعت أصوات تحتج على ذلك التشدد وتقاوم تلك الجماعات وتوجهاتها ببسالة حقيقية، كُتاب وإعلاميون وفنانون ومثقفون أخذوا الموقف الصحيح، وهو الدفاع والإصرار على مدنية الدولة ورفض أخونة مؤسساتها.

ثم وجـدنا شيخ الأزهر د. أحمد الطيب يتدخل بشخصه فى الأمر فيدعو إلى اجتماعات ولقاءات فى مكتبه، مع مجموعات من المثقفين، أسفرت تلك اللقاءات عن صدور مجموعة من الوثائق المهمة، أهمها وثيقة الدولة المدنية، التى تتناول وطنية الدولة ومدنيتها، وضرورة العيش المشترك وتقبل الآخر وتقبل الاختلاف، ويشرف كاتب هذه السطور أنه كان واحداً من الذين شاركوا فى صياغة تلك الوثيقة وما تلاها من وثائق.

وكان التفاعل والاستقبال الإيجابى لهذه الوثائق فى داخل مصر وخارجها، مؤشراً على حالة القلق من خطاب ومشروع التشدد والتطرف.

وللإنصاف فإن صدور هذه الوثائق بمشاركة ودعم شخصى من فضيلة الإمام الأكبر، زادها ثقلاً ومصداقية، ونزع من جماعات التشدد والإرهاب ذريعة يستندون إليها، وهى اعتبار أن كل تحرك مناوئ لهم، إنما هو يناوئ الإسلام ذاته، ويختلقون قصصا خيالية وأوهاما تدعم ما يقولون، ومن أسف كانوا يجدون من يصدقهم، ومن حسن الحظ أن سنة حكم الإخوان جعلت المجتمع يكتشف وجههم الحقيقى، وأنهم طوال تاريخهم كانوا يتاجرون بالدين.

ومع كامل التقدير لهذه الجهود كلها، فلم تكن كافية لردع جماعات التشدد، والذين بدا منهم نهم شديد للتسلط ولإنفاذ أيديولوجيتهم كاملة على المجتمع، والإصرار على المعنى قدما فى مشروعهم دون الالتفات إلى المجتمع وقواه المعترضة، أعمت الأيديولوجيا والمصالح عيونهم وأصمت آذانهم.

وتلك كانت خطيئتهم القاتلة، وكان أن تحرك المجتمع رافضا ذلك التوجه ويعلن لأصحابه أنه منحهم الفرصة كاملة لكنهم فشلوا، وهكذا جاءت ثورة 30 يونيو، والتى شارك فيها أكثر من 24 مليون مصرى ومصرية، ولندرك ضخامة وأهمية هذا الرقم لنتذكر أن حركة السترات الصفراء فى باريس، لم يصل المشاركون فيها فى أقصى لحظات الرقم إلى مائة ألف مواطن، وأنه حين نزل 33 ألف فرنسى إلى شوارع المدن الفرنسية وليست باريس وحدها، وقف العالم مندهشاً، فما بالنا بثورتنا المليونية؟

كانت 30 يونيو وما زالت فى جوهرها تمسكا بوطنية الدولة ومدنيتها، ولا أريد أن أسهب فى معنى ذلك ودلالته، لكن مدنية الدولة تعنى رفضا تاما لخطاب التشدد والتزمت، وتعنى كذلك دولة القانون التى تعتبر الميليشيات وعمليات الإحراق والقتل عمليات إرهابية بامتياز، قتل المصلين فى المساجد والكنائس هو الإرهاب بعينه، ولهذا قامت ثورة 30 يونيو لتتصدى له.

وكما كانت ثورة 25 يناير تعبيراً عن رفض الطائفية والاستبداد، فإن ثورة 30 يونيو تعبير عن نفس المعانى، ورفض العنف والإرهاب جملة وتفصيلا، ورفض التسربل بالدين تحقيقاً لمشروع سياسى وسلطوى، يحمل العداء المطلق للوطنية المصرية ولمدنية الدولة.

وفى الحالتين كانت الرسالة الحاسمة والفعل المؤثر من المواطن العادى ومن رجل الشارع.

 

 

المصدر:

مقال «تجديد الخطاب الديني»، المنشور بموقع المصري اليوم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق