رؤى

تصويب الخطاب الديني (3)

على منصة رابعة العدوية ...بث الكراهية ودعوة للعنف

حلمي النمنم

حلمي النمنم

كاتب صحفي، ومؤرخ مصري مهتم بالقضايا التاريخية والسياسية والاسلامية. حاصل على ليسانس من كلية الآداب بقسم الفلسفة بجامعة عين شمس عام 1982 وتولى منصب وزير الثقافة في عام 2015.
حلمي النمنم

آخر أعمال الكاتب حلمي النمنم (كل المقالات)

يوم 3 يوليو 2013، كان فاصلاً، فقد أعلنت جماهير ثورة 30 يونيو على لسان وزير الدفاع، حينها، أصدر الفريق أول عبدالفتاح السيسى، عدة قرارات.

في مقدمتها، بالطبع عزل د. محمد مرسى من رئاسة الجمهورية.

وكانت وزارة الدفاع، مع اشتداد الأزمة بين جماعة الإخوان الحاكمة وكل التيارات السياسية فى مصر، قد دعت إلى ضرورة حل الأزمة والوصول إلى تفاهم.

ومنح بيان الوزارة أسبوعاً مهلة، للأطراف المتنازعة لحل الأزمة.

كان ذلك قبل 30 يونيو مباشرة..

كانت وزارة الدفاع قد اتخذت هذه المبادرة الجَسور بعد تقدير موقف إنتهى إلى أن استمرار الأوضاع على ما هى عليه، سوف يقود مؤسسات الدولة إلى الشلل التام..

بما يؤدى إلى إنهيار الدولة ذاتها..

وانتهت المهلة دون أن يحدث أى شىء..

تم مد المهلة لمدة 48 ساعة أخرى..

ولما تغابت واغترت جماعة الإخوان كعادتها..

دعت الوزارة إلى إجتماع دُعىَ إليه مُمثلو الأحزاب الكبرى، ومن بينها حزب الحرية والعدالة، الذى لم يلب الدعوة..

واتصل اللواء “محمد العصار”، عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة حينها، ووزير الانتاج الحربي حاليا، بالدكتور “سعد الكتاتنى”، رئيس الحزب، عدة مرات، يحثه على ضرورة الحضور والمشاركة..

لكن الجماعة أبت..

وحضر فضيلة الأمام الأكبر د. “أحمد الطيب “وقداسة الأنبا “تواضروس الثانى “والدكتور “محمد البرادعى “ممثلاً لشباب 25 يناير وعدد من شباب «تمرُد».

ولم تقر جماعة الإخوان بالأمر الواقع، وحشدت أنصارها فى ميدانى رابعة والنهضة..

كان الحشد قائما قبل 30 يونيو بأسبوع تقريباً..

لكنه بعد 3 يوليو أخذ فى الازدياد..

ومن الممكن أن نتساءل: لماذا لم يتم فض بؤرتى رابعة والنهضة يوم 3 يوليو وعقب إذاعة القرارات مباشرة؟.

خاصة أن بؤرة النهضة إنطلقت منها النيران وخرجت مجموعات لتهاجم أحد الأقسام فى نفس اللحظة.

وانطلق بعضهم إلى شارع جامعة الدولة العربية يُمارسون العنف واشتبكوا مع عدد من المواطنين.

وبالتأكيد أنَّ الفضْ يوم 3 يوليو كان أسهل..

فالتسليح لم يكُن اكتمل فى الميدانين ولا الحشود زادت ولا ولا..

لكن فيما يبدو أنَّ هناك فى الدولة من تصوَّر وقتها أنه من الممكن الوصول إلى ترضية وحل المسألة ودياً.

وأن الجماعة يمكن أن تُعلى المصلحة الوطنية وتقبل بالعملية السياسية والإحتكام إلى الشارع.

وصدَرَ بيان يوم 4 يوليو جاء فيه : “أن الدولة لن تقبل بإهانة أو المساس بشباب الحركة الإسلامية.”

بما يكشف أن الدولة كانت جادة تماماً فى أن تبدأ صفحة جديدة من العمل السياسى، وتجنُب العنف وإراقة الدماء.

وكان ذلك حُسن نية بأكثر من اللازم.

فالجماعة تقتات وتتغذى على الدماء وأسطورة المحن..

يلفت النظر أنَّ عدداً من الكُتاب المحسوبين على الجماعة راحوا فى الأيام الأولى بعد 3 يوليو يكتبون فيما يشبه المراجعة وإبداء الملاحظات على أداء الجماعة..

حتى إن” أحمد منصور” تحدث فى عمود له بجريدة «الشروق» عن فَيض الكراهية والرفض لدى المصريين تجاه جماعة الإخوان..

بما يفتح الباب لعملية نقد ذاتى داخل الجماعة، يتم خلاله مراجعة خُطواتهم وحساباتهم، والإنتباه إلى الأخطاء وتعديل المسار..

ولم يتم هذا..

ولم يكن ممكنا أن يتم فى ظل جماعة ترى فى برنامجها «عقيدة»!

المهم ،تراجَع هذا الإتجاه لصالح بؤرة رابعة وخِطابها الكريه.

ومن حسن الحظ أن المصادر العربية والإسلامية، حفظت لنا كثيراً من السِجالات التاريخية التى جرت فى لحظات فارقة من التاريخ الإسلامى..

مثل موقعة الجمل وموقعة صفين ثم النهروان..

وبمقتضى تلك المعارك تحول إتجاه التاريخ الإسلامى وانقسم المسلمون إلى سنة وشيعة وخوارج..

ويمكنك القول بضمير مستريح إن دُهاة السياسة فى العالم يتراجعون أمام دهاء عمرو بن العاص ومعاوية..

وكبار القديسين يتصاغرون أمام نموذج على بن أبى طالب ورجاله..

وتجد فى معركة النهروان، ذروة إستعمال النصوص القرآنية فى غير موضعها ولا سياقها..

حتى إن الإمام على، (كرم الله وجهه)  يطلب عدم محاجاتهم – (الخوارج )- بالقرآن الكريم، لأن القرآن حمّال أوجه..
أي أنهم يتلاعبون بألفاظه، لتدليل على أغراضهم..

وبعد ذلك كثرت السِجالات فى التاريخ الإسلامى..

ولكن لن ترى الخطاب الدينى تردَّى فى لحظة إلى مستوى التردِّى الذى وصل إليه الخطاب فى منصة رابعة العدوية..

خطاب من عينة أن سيدنا جبريل تنزل فى ميدان رابعة العدوية، يزُف إليهم بُشرى النصر وعودة الرئيس المعزول..

لاحظ أن جبريل هو ملك الوحى!

ومن ثَمَّ فإن تنزله توقف بانتهاء نزول الوحى على سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)!

لكنهم جعلوه يتنزل عليهم فى رابعة!

وذهب بعضهم إلى حد تخصيص آية فى القرآن الكريم، والقول أنها نزلت فى د. محمد مرسى!

وإدعاءات عدد منهم بأحلام فى المنام جاء إليهم فيها رسول الله يوصى ويبشر بنصر محمد مرسى..

وإنتقل هذا الخطاب إلى الزوايا والمساجد التى كانوا يسيطرون عليها..

وقد سمعت بأذنى ما قِيل فى بعض من هذه المساجد وتلك الزوايا..

وتأمَّل عبارات مثل «اللى هيرشه بالميه هنرشه بالدم»، وغيرها وغيرها..

وتم تناول بالإسم كل من ناوأهم تجريما وإتهامات متدنية..

وكان نصيب فضيلة الإمام الأكبر وقداسة البابا كبير.. كبير..

وصف الإمام الأكبر بأنه «بابا الأزهر» وملأوا حوائط جامعة الأزهر بمدينة نصر بعبارات غاية فى البذاءة بحق فضيلة الإمام..

وفعلوا الشىء نفسه على حوائط وجدران مبنى الكاتدرائية المُرقسية بالعباسية.

وطال الأقباط جميعا التهديد والوعيد، بكلمات غاية فى التردى والبذاءة.

ويبدو أن الجماعة تصورت أن عُنف الخطاب سيُخيف أجهزة الدولة أكثر، فضلاً عن أن رهانهم كان على الضغوط الخارجية، وتحديداً الإدارة الأمريكية.

حتى إن رئيس مجلس الشورى «الإخوانى» قرر نقل إجتماعات المجلس إلى رابعة..

فيما يشبه إقامة دولة موازية فى رابعة..

تعمَق فى رابعة خطاب التكفير ورفض الآخر بالمُطلق..

ولا أريد أن أنكأ جراحاً حقيقية بسبب ذلك الخطاب الملىء بالكراهية، وإستباحة كل شىء، حياة الآخرين والقيم والخلُق والدين ذاته..

هل نذكر فتاوى وكذلك وقائع «جهاد النكاح» وهل وهل…؟!!.

هذا الخطاب وما حواه مع عوامل أخرى، دفع أنصاره إلى أن يقوموا بإحراق أكثر من خمسين كنيسة ومُنشأة قبطية فى يوم واحد، يوم الفض، 14 أغسطس..

وهذه حالة غير مسبوقة فى تاريخ مصر كله..

يومها قال الأنبا تواضروس مقولته الشهيرة «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن».

ومن جراء خطاب رابعة، وجدنا شاباً فى الإسكندرية يقذف بأحد المواطنين من أعلى سطح العمارة إلى الشارع..

ولما سُئل فى التحقيقات قال: «ضايقنى»..

ولما صدر عليه الحكم بالإعدام، اعتبرته الجماعة شهيداً..

الأخطر من هذا، هم أولئك الذين انطلقوا فى سيناء يقتلون أبناءنا من الجنود والضباط.

وفى رابعة قال محمد البلتاجى: «إن هذا الذى يجرى فى سيناء يمكن أن يتوقف فى لحظة…».

هذا هو الخطاب الدينى، الذى ساد مع حكم الجماعة..

واتجه إلى التوحُش مع ثورة 30 يونيو..

وبالأحرى فى مواجهتها..

وما زالت الجماعة تُصِر عليه إلى اليوم وتتخندق فيه..

فى لقاء أُجرىَ على قناة B.B.C مؤخراً، مع أمين عام الجماعة، حاولت المحاورة أن تنتزع منه إدانة أو رفضاً لعمليات العنف والإرهاب التى تتم فى سيناء، فتهرَّب تماماً، واضطرت أن تقول له: «ترفض أن تُدين أعمال العنف».

 

 

المصدر:

مقال «تجديد الخطاب الديني – 3»، المنشور بموقع المصري اليوم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق