طاقة نور

الفارق الجوهري بين «الخطابين»

مقارنة علمية وفكرية بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي

بقلم الدكتور
عمار علي حسن

 

رغم أنه حوى أفكارا لافتة فإن أهم ما تناوله الكتيب الذي أعده الأستاذ علي محمد الشرفاء الحمادي بعنوان “رسالة الإسلام ــ رحمة وعدل وحرية وسلام”، هو تلك التفرقة بين “الخطاب الديني” و”الخطاب الإلهي” وهي مسألة غاية في الأهمية، لا سيما في أيامنا تلك التي ارتفع فيها النداء، وعلت المناشدة، وانعقد عزم البعض، فتزاحمت الجهود، بغية “تجديد الخطاب الديني”، وهو الحد الأدنى المطلوب للخروج من المأزق الذي يعيشه المسلمون في أيامنا هذه، جراء استفحال التطرف، وتصاعد الإرهاب، قياسًا إلى أيام خلت.

ويبدو الحد الأقصى، وهو الواجب اتباعه الآن، هو الانتقال إلى “خطاب ديني جديد” أو “إصلاح ديني، يقوم على ركائز خمسة هي الإقرار بأن الإيمان مسألة فردية، وأن العقل يكمل مسيرة الوحي، وضرورة التمييز الواضح بين السلطة السياسية والدين، وأهمية الالتفات إلى الوعي الأخلاقي، والنزول على التلازم بين الإصلاح الاجتماعي وإنتاج خطاب ديني منزوع التطرف والغلو والتشدد والإفراط في كل شيء. وكل هذا ينطلق من فهم لطبيعة الاختلاف بين “الخطاب الديني” و”الخطاب الإلهي”، أو معرفة الفروق الجوهرية بين الدين والتدين وعلوم الدين والتديين.

ويرى علي الشرفاء أن “الخطاب الديني” صار “دعوة للقتل والتكفير”، ومرجعيته الصحابة ثم الروايات وبعدهما شيوخ الدين، قاصدًا بالطبع استشهاد هذا الصنف من الخطاب بوقائع تاريخية لا يقين قاطع عليها من أيام الصحابة، مع التوسع في الصحابة ليشملوا، وفق رؤية هؤلاء، كل الذين عاصروا الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم الاستسلام لروايات منسوبة للرعيل الأول من الإسلام، لم تخضع لتمحيص علمي كافٍ، تلقفها الوعاظ المتشددون الذين نطلق عليهم في أيامنا اصطلاح “شيوخ الدين”، وراحوا يستنبطون منها الأحكام والفتاوى، التي تبرر التكفير، ومن ثم تعبد الطريق إلى القتل والتدمير. وذهب بعضهم إلى ما هو أخطر من ذلك حين تبنوا المواقف والاتجاهات والانحيازات التي تحقق مصالحهم ثم راحوا يبحثون في القرآن والحديث وأقوال الأولين من الصحابة وآراء الفقهاء عما يبررون به ما ذهبوا إليه، ولم يسلم القرآن نفسه من هذا التلاعب الفج.

أما “الخطاب الإلهي” في نظر الشرفا فهو “دعوة للرحمة والتفكير” ومرجعه هو الله سبحانه وتعالى، ومنه النص الذي نزل به الوحي وهو “القرآن الكريم” ومن بعده محمد رسول الله، وهو الخطاب الذي تم الانحراف عنه، أو تجميده، أو إهماله، قصدًا أو بغير وعي، أو تأويله تأويلًا فاسدًا منحرفًا لخدمة مصالح ومنافع البعض، أو الاستجابة لأهواء البعض الآخر، أو بفعل الجهل والغفلة.

ينطلق الشرفاء في تحديد الفرق بين هذين الخطابين من الآية (23) من سورة (آل عمران)، والتي يقول فيها الله تعالى: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ”. ليقول هو معلقًا على تلك الآية الكريمة: “طريقان لا ثالث لهما، طريق الحق وطريق الضلال، فمن اتبع طريق الحق وهو الخطاب الإلهي للناس كافة بلغة رسول آمين، ومن اتبع طريق الضلال في الخطاب الديني البشري، فالله يحكم بينهم يوم الحساب”؛ ليرى أن مسئولية الرسول كانت التقيد بتبليغ الرسالة التي تضمنها القرآن، ومن ثم يصبح هناك سؤال مبرر ومشروع وضروري وهو: “من أين أتى منشئو الروايات الذين اختطفوا الرسالة بأكاذيب باطلة؟”.

لهذا لم يجعل الشرفاء من نفسه مؤلفًا لكتابه بل معدًّا، لأنه اكتفى في أغلبه بوضع الآيات التي تعبر عن القيم العامة في الإسلام وأركانه والحلال والحرام الذي يفرضه. فجاء بالآيات التي تعبر عن خطاب الهُدى، ووحدة الرسالة، والتكليف الإلهي، والتذكير بالقرآن، وأسلوب الدعوة، ووحدة البشر، والعدل الإلهي، وحرية الاعتقاد، والحكم الإلهي، وانتفاء أي وصاية في الدين، ليقسم أركان الإسلام إلى ثلاثة محاور:

  • الأول هو العبادات وهي الشهادة والإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والتفكر في القرآن والكون والمخلوقات.
  • والثاني هو منظومة القيم والأخلاق وهي بر الوالدين، والعلاقات الزوجية، وحقوق اليتامى، وضوابط الميراث، والإنفاق في سبيل الله، وسلوك المسلم، مثل: الإحسان وأداء الأمانات واجتناب الغيبة والتجسس والظن والتراحم والعفو والتواضع والوفاء والتعاون والصفح… إلخ.
  • والمحور الثالث يتعلق بالمحرمات، مثل: الشرك بالله وما حرم في النكاح والطعام والخمر والميسر وأكل مال اليتيم وشهادة الزور والكذب والنفاق والربا والفساد في الأرض والسرقة وعقوق الوالدين… إلخ.

ويوجه الشرفا ما أعده هنا إلى مثقفي المسلمين وعلمائهم المنوط بهم إخراج الأمة من مأزقها المترتب على اتباع خطاب ديني مغلوط، وغياب التوحد حول “المرجعية الأم” وهي القرآن الكريم.

إن ما ورد في هذا الكتيب المهم جدير بالتأمل وهو بمنزلة ورقة أولية لفكرة لابد من إجراء نقاش وحوار مستفيضين حولها. وأتصور أننا بحاجة ماسة إلى وقفة شجاعة صادقة مع النفس، تقر بأن الدين هو الوحي، وله وحده التقديس، وتنزع هذا عن علوم الدين من تفسير وفقه وعلم كلام وتاريخ وروايات، وعن البشر مهما علت منزلتهم في تاريخ المسلمين، وعن التدين الذي يمكن أن يحول الدين إلى أيديولوجيا أو تجارة أو فلكلور وأساطير أو عصاب نفسي، وعن التديين الذي يعني أخذ الناس عنوة إلى الدين مع أن الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه قائلًا: فذكِّر إنما أنت مُذكِّر. لست عليهم بمسيطر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق