رؤى

الفرق بين البيت الحرام والكعبة

«مكّة» هي مساحة واسعة ولا تحمل قُدسيّة كما هو حال «بكّة»

عدنان الرفاعي

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

آخر أعمال الكاتب عدنان الرفاعي (كل المقالات)

“جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” [المائدة : 97]

كلمة (جعل) بمعنى صيَّر ووصف وسمّى، كون الأمر يتعلَّق بأمرٍ روحي، وليس بمجرّد خلقٍ مادّي..

والعبارة (الكعبةَ البيتَ الحرامَ)، نرى فيها: (البيتَ الحرامَ) بدلاً من: (الكعبةَ)..

وكلمة (الكعبةَ) هي صيغة مصدر مؤنّثة مُعرّفة بأل التعريف، من الجذر (ك ، ع ، ب).

ومشتقّات هذا الجذر تعني: الظاهر العالي المميّز عمّا يُحيط به، من المسألة المحمولة بالسياق.. فالكعبان معلومان:

(..فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ  …) [المائدة : 6]

والمتّقون (ذكوراً كانوا أم إناثاً)، لهم في جنّة الآخرة أماكن عالية بارزة مميّزة: (وكواعب)، تطلُّ على نعيم الجنّة من حدائق وأنهار:                                                                                                                      ” إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33وَكَأْسًا دِهَاقًا (34)” [النبأ/31:34]

وحصر كلمة كواعب (وكواعب) كجمع لاسم الفاعل (كاعب) – كما يذهب تفسيرنا الموروث – بنواهد النساء، ليس صحيحاً على الإطلاق.

فالمتّقون: (إنَّ للمتّقين …….) الذين لهم في الجنّة: (وكواعب أتراباً)، هم من الذكور والإناث، وليسوا ذكوراً فقط.. إضافة إلى أنَّ الصياغة لهذه الآية الكريمة في سياقها المحيط بها، لا تُسعفهم فيما ذهبوا إليه..

السياق القرآني لكلمة (الكعبة)

(جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ…) نرى فيه أنَّ الله تعالى جعل أربعة أمور قياماً للناس، هي:

1 – (الكعبةَ البيتَ الحرامَ)

2 – (والشهرَ الحرامَ)

3 – (والهديَ)

4 – (والقلائدَ)

الذي جعله الله تعالى قياماً للناس، ليس المُبدَل منه: (الكعبة)، إنّما البدل: (البيتَ الحرامَ)..

وهذا – كصياغة لغويّة من مُبدَل منه وبدل – له نظير في كتاب الله تعالى:      ” يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ۖ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ….”[البقرة /217]

السؤال (يسألونك) ليس عن الشهر الحرام، فالله تعالى لم يقل: (يسألونك عن الشهر الحرام قُل …….)..

الله تعالى يقول:  “يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ۖ قُلْ….”

السؤال هو عن القتال في الشهر الحرام..

لذلك نرى أنَّ الإجابة بعد كلمة: (قُل)، كلّها تتمحور حول القتال في الشهر الحرام..

فكما أنَّ كلمة (قتالٍ) هي بدل اشتمال من الشهر (الشهرِ الحرامِ)، كذلك: (البيتَ الحرامَ) هو بدل من: (الكعبةَ)..

فالذي جعله الله تعالى للناس قياماً هو (البيتَ الحرامَ) وليس (الكعبةَ)..

فالكعبة هي العلو الروحي كقيمة روحيّة عاليّة لبيت الله تعالى، وتقع في مركزه، ومنها يصعد النور الروحي إلى السماء…

القيام والعكوف والركوع والسجود، هو في البيت الحرام، باتّجاه الكعبة، فالكعبة هي النقطة التي يتّم الاتّجاه إليها، سواء داخل البيت الحرام، أم خارجه..

وكما بيّنا، فإنَّ بيت الله تعالى الحرام كبقعة مقدّسة مركزها الكعبة، موجودٌ في أرضٍ اسمها في كتاب الله تعالى: (بكّة):  “إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ “[آل عمران : 96]..

بينما (مكّة) هي مساحة واسعة ولا تحمل قدسيّة كما هو حال (بكّة)..

 

المصدر:

من مقال «البيت الحرام»، المنشور بالموقع الرسمي للمهندس عدنان الرفاعي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق