فقه «الدعوة الجاهلية»

لا زلنا نخلط العلم المتغير النسبي بالدين الثابت المطلق، فننتهك ونهين الاثنين

أحمد صبحي منصور

أحمد صبحي منصور

مفكر مصري، وأحد رواد حركة القرآنيين التنويرية، الداعية إلى إحياء الخطاب الإلهي، والحد من توغل الخطاب الديني المشوه.
أحمد صبحي منصور

آخر أعمال الكاتب أحمد صبحي منصور (كل المقالات)

1- في أوائل الثمانينيات كنت مدرسًا في قسم التاريخ والحضارة بجامعة الأزهر. تجمعنا لقبض المرتب ففوجئت بأستاذ عريق مشهور بلحيته يمسك ورقة ويجلس إلى جانب الصرّاف ليستقطع من مرتباتنا معونة إجبارية للجهاد في أفغانستان. رفضت وقلت لهم ساخرًا: «عندي اقتراح أفضل. إنها فرصة لكل من يكره حماته أن يرسلها إلى أفغانستان».

لم تعجبهم النكتة وحاصروني بنظرات معاتبة.

بعدها وفي صلاة الجمعة – في مسجد الحي الذي كنت أعيش فيه – فوجئ الحاضرون برجل تبدو عليه الهيبة والوقار وقد حمل حقائبه وهو يصرخ في المسجد قائلًا إنه لا يصح القعود عن الجهاد وإنه لا عذر للتخلف، ومن لا يصلح للقتال يمكنه خدمة المجاهدين وتكثير سوادهم – أي عددهم – وإنها فرصة للدعوة ومؤازرة الاسلام ضد الملحدين. تحول صراخه إلى بكاء مزعج جهوري، انتقلت عدواه إلى كل الحاضرين. أسرعت بالفرار قبل أن تصل لي العدوى، ووصلت إلى بيتي محتفظًا بسلامة قواي العقلية.

2- عقلي المشاغب المتعب (بفتح العين وكسرها أيضًا) أخذ يتساءل: ما هي علاقة الإسلام بذلك الصراع في أفغانستان؟

إنه طور من أدوار الحرب بين أمريكا والاتحاد السوفيتي، تحولت فيه الحرب الباردة إلى حرب مشتعلة على الحدود الجنوبية للقطب الشيوعي، وشاركت فيه قبائل أفغانستان مع هذا الفريق تارة ومع الآخر تارة أخرى، تتلاعب بهما معًا مثلما كانت قبائل اليمن تفعل مع الجيش المصري في عهد عبد الناصر، ثم أقحم الأمريكيون والسعوديون اسم الإسلام فى تلك الحرب التي لا شأن للإسلام بها. ورآها كل فريق فرصته لتحقيق مكاسب خاصة له. الإسلام هو وحده الخاسر في القضية.

تساءلت إذا كان الإسلام قد خسر مبكرًا جدًّا حين أقحمه الصحابة في حرب الفتوحات التي شوهت اسم الجهاد وأضاعت تشريعاته القرآنية، فهل ستكون قبائل الأفغان في عصرنا الراهن أكثر حرصًا على الإسلام وأفضل حالًا من قبائل الحجاز ونجد في عهد الصحابة؟ وصلت في النهاية إلى تأكيد عبارة كررتها كثيرا في مؤلفاتي وقتها: «ليس مثل الإسلام دين ظلمه أصحابه والمنتسبون إليه»!

هذه الدعوة إلى الجهاد وقتها أفضل تعبير عن فقه الدعوة الجاهلية. ولقد دفع الثمن غاليًا كل من شارك فيها من أمريكا والسعودية ومصر وبقية الدول العربية و”الإسلامية” من باكستان إلى أفغانستان إلى المجاهدين العرب والأفغان إلى طالبان. الجميع أصبحوا أعداء يضرب بعضهم بعضًا بعد أن كانوا في خندق واحد.

3- الأساس في فقه الدعوة الجاهلية هو استخدام الدين – وهو أعز ما لدى الإنسان – في خداع الناس للحصول على حطام دنيوي زائل قد يكون مالًا أو جاهًا أو نفوذًا. لكن ذلك كله لا يساوي شيئًا بجانب استغلال الدين في إقامة دولة. فالدولة هنا تجمع في داخلها المال والقوة والنفوذ والسيطرة والتحكم. وإذا تم هذا لك يا صاحبي باسم الدين فلن يملك أحد محاسبتك أو مساءلتك.

لقد نهى الله تعالى عن استغلال اسمه العظيم في البيع والشراء معتبرًا ذلك صدًّا عن سبيل الله يستحق العذاب العظيم (النحل 94- 95) وهي عادة سيئة في أسواق المسلمين؛ حيث يقسم البائع لك باسم الله تعالى كذبًا ليخدعك. فإذا كان استغلال الدين في بيع حزمة بصل في سوق شعبية يعتبر جريمة بهذا الشكل، فما هو حجم الجريمة التي يستخدم فيها اسم الله تعالى ودينه في خداع الناس وإقامة دولة يركب فيها أولئك الملاعين على ظهورنا معتبرين أننا رعية لهم يملكونها باسم الإسلام؟

4- نحن جميعا سواسية، أخوة من أب واحد وأم واحدة على قدم المساواة في الدنيا فيما يخص الحقوق والواجبات. أكرمنا عند الله تعالى هو أتقانا لله تعالى. (الحجرات: 13) هذا ما جاء في القرآن الكريم.

هذه التقوى تعامل قلبي خالص وخاص بين الإنسان وربه يتعرض للصعود والهبوط طبقًا لطاعة الإنسان ومعصيته وحياة ضميره أو موته. في يوم الدين فقط سيحدد رب العزة عند الحساب من أفلح في اختبار الدنيا وكان متقيا، أما طالما نحن أحياء في هذا العالم فلا يصح لأي مؤمن أن يزكي نفسه ويصفها بالتقوى، وإذا عصى قوله تعالى: “فلا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى” (النجم: 32). هذا إذا فعل هذا بينه وبين نفسه، أي أقام لنفسه حفل تكريم على انفراد أعلن فيه بينه وبين نفسه أنه من المتقين. هذه معصية لله تعالى لأنه بدلًا من اتهام نفسه ولومها ومحاسبتها على التقصير أعطاها درجة الامتياز في امتحان مزور قبل موعد الامتحان الإلهي يوم الحساب. الجريمة الكبرى عندما يفعل ذلك علانية مراءاة ونفاقًا، ولأن التقوى شعور قلبي فإنه يتحول في خطاب المرائي المنافق للناس إلى لحية وجلباب ومسبحة ومسواك وعلامات للسجود على الجبهة وعبارات طنانة. هذا الذي يطلق – على الناس – لحيته لا يفعل ذلك عبثًا وإنما ليطالبهم بالثمن خضوعًا له وخنوعًا لذاته ليركعوا لجنابه باعتباره المتحدث باسم الله والممثل له على الأرض، فإذا طالبهم بأن يحمكهم باسم الإسلام وشرعه بدا طلبه مستجابًا لا شطط فيه. هنا تصل الجريمة الكبرى إلى حضيض أفظع في حق الله تعالى وحق الناس.

 

1 2الصفحة التالية
الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق