مفهوم «أقم الصلاة»

كيف يتخيل عاقل أنَّ الله تعالى يأمر بإقامة مجهول لا يعلمه المأمورون بإقامته؟

عدنان الرفاعي

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

آخر أعمال الكاتب عدنان الرفاعي (كل المقالات)

لمسة تدبّر من كتاب الله تعالى:

أَقام الشيء، ثبَّته وفعَّل وظيفته التي وُجد هذا الشيء من أجلها:

((فوجدا فيها جدارًا يريد أن ينقضَّ فأقامه)) [الكهف: 77]

فالجدار موجود قبل إقامة العبد الصالح له، وهو معلوم كجدار، ووظيفته معلومة، ولكنَّه على وشك أن يفقد وظيفته التي وُجد من أجلها، وذلك بسبب أنَّه يريد أن ينقض، وما فعله العبد الصالح هو أن ثبّته، وهيَّأه ليقوم بالوظيفة التي وُجد من أجلها.

والتوراة والإنجيل – ككتابين سماويّين – موجودان، ومعلومان أنَّهما كتابان سماويّان، وذلك قبل نزول قوله تعالى:

((ولو أنَّهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليهم من ربِّهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم)) [المائدة: 66]

وإقامتهم للتوراة والإنجيل هي تفعيل أحكامهما والعمل بها، بمعنى تفعيل وظيفتهما التي من أجلها أنزلهما الله تعالى.. وكذلك الأمر في قوله تعالى: ((قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربِّكم)) [المائدة: 68]

وحدود الله تعالى معلومة للذين يطلب الله تعالى منهم إقامتها، قبل طلبه منهم بأن يُقيموها، وإلا كيف يُطلَب منهم إقامتها:

((الطلاق مرّتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألَّا يُقيما حدود الله فإن خفتم ألَّا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به)) [البقرة: 229]

الدين الذي يأمر الله تعالى بإقامته، أليس موجودًا ومعلومًا قبل تلقّينا للأمر الإلهي بإقامته:

((شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرَّقوا فيه)) [الشورى: 13]

((الصلاة)) التي ترد بأل التعريف، ويأمر الله تعالى رسله عليهم السلام (والبشر من بعدهم) بإقامتها، من عصر إبراهيم عليه السلام، إلى نزول القرآن الكريم، إلى قيام الساعة.. كيف لا تكون معلومة؟! كيف من الممكن لعاقل أن يتخيَّل أنَّ الله تعالى يأمر بإقامة ما هو ليس معلومًا؟

((الصلاة)) التي ترد بأل التعريف، ولم ترد – في كتاب الله تعالى – بصيغة النكرة ولا مرّة، والتي يأمر الله تعالى بإقامتها، من عصر إبراهيم عليه السلام. هذه الصلاة بهذه الصيغة التي ترد بها، كيف من الممكن لعاقل أن يتخيّل دلالاتها مختلفة ما بين عصرٍ وآخر، في الوقت الذي يراها ترد بذات الصورة ((الصلاة))؟!

كيف من الممكن لعاقل أن يتخيَّل أنَّ الله تعالى يأمر بإقامة مجهول لا يعلمه المأمورون بإقامته؟! وكيف من الممكن لعاقل أن يتخيَّل بأنَّ الأمر ذاته المرسوم بالصورة ذاتها في كتابه الكريم، يختلف ما بين نصٍّ يصف تعلّقه بفترة زمنيّة، وبين نصِّ يصف تعلّقه بفترة زمنيّة أُخرى؟!

الصلاة لها كينونتها المعلومة بالتواصل الدلالي المعرفي (كعلم قوم النبي عليه السلام لعتبة من دلالات الكلمات القرآنيّة قبل نزول القرآن الكريم وبعده)، وإقامتها هي تفعيلها والعمل بها كأمرٍ معلوم..

ترد كلمة ((الصلاة)) في سياقات قرآنيّة، تاريخها الزمني، من عصر إبراهيم عليه السلام، وما بعد ذلك.. فماذا نقرأ من ذلك؟ الإجابة عن هذا السؤال نراها في قوله تعالى:

((ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلًّا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين)) [الأنبياء : 72 – 73]

هذا النصُّ الكريم يصوِّر لنا أحداثًا سياقها يتعلَّق بإبراهيم عليه السلام، فالله تعالى وهب له إسحاق ويعقوب عليهما السلام، وجعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب عليهم السلام أئمّة يهدون بأمره، وأوحى إليهم: ((فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة)).

ما نراه أنَّ الله تعالى أوحى إليهم الفعل: ((فعل)): ((وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة))؛ بمعنى: الله تعالى لم يقل: (وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة). ما أوحاه الله تعالى ليس مجرَّد أمرٍ لقيامهم بهذه الأمور، ما أوحاه الله تعالى إليهم في هذه الأمور هو الفعل ((فعل))، أيّ كيفيّة العمل فيها، أي الآليّة التي سيتفاعلون بها مع هذه الأمور.

من هنا نرى الحكمة الإلهيّة من عدم ورود كلمة ((الصلاة)) في كتاب الله تعالى إلا في سياقات قرآنيّة، تصوِّر مراحل زمنيّة من عصر إبراهيم عليه السلام، وما بعد ذلك. فالصلاة كآليّة، وكهيئة، لم تكن معلومة إلا من عصر إبراهيم عليه السلام، حيث أوحى الله تعالى إليه وإلى إسحاق ويعقوب كيفيّة أدائها.

فما أُوحي إليهم – عليهم السلام – هو الفعل: ((فعل))، فكما قلنا الله تعالى لم يقل: (وأوحينا إليهم أن افعلوا الخيرات وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)، فحيثيّات الفعل ليست فقط بـ((الخيرات))، إنّما تتعلَّق أيضًا بـ((الصلاة))، وأيضًا بـ((الزكاة))، فالعبارة: ((وإقام الصلاة)) تصف – هنا – ما أوحاه الله تعالى إليهم في أمر الصلاة، ليشمل الوحي كلَّ ما يتعلَّق بالصلاة من هيآت لإقامتها، وكذلك الأمر بالنسبة للعبارة: ((وإيتاء الزكاة))، حيث تصف ما أوحاه الله تعالى إليهم في أمر الزكاة، ليشمل الوحي كلَّ ما يتعلَّق بالزكاة. وهذا له تعلُّقُه بكون إبراهيم عليه السلام، بعدما أنجب، هو بداية المرحلة الثانية لرسالات السماء إلى الأرض.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق