الخطاب الإلهي

لمحات جمالية في آيات القرآن (1-7)

اختلاف ألفاظ متغايرة في القصة الواحدة له بلاغته

كل القرآن بالطبع جميل، لكننا هنا بموقع التنوير (https://altanwer.com/) نسعى لتوضيح بعض روائع البيان في آيات القرآن، أو رصد “جماليات” معانيه، فهي من اللمحات التي تغيب عن البعض وهم يقرأون القرآن، فإذا عرفوها أمكن لهم أن يتذوقوا جمال الكلمات.

كلمة “ولد”، و”غلام”:

في قصة زكريا ومريم عليهما السلام جاء لفظ “غلام” مرة ولفظ “ولد” مرة أخرى، رغم أن القصة في آيات “زكريا” أو “مريم” واحدة، حتى إن بعض المستشرقين قال إن ذلك ينبئ عن وجود تناقض في تلك الآيات! لكن الأمر ليس كذلك بالطبع.

القرآن هو مجمع البلاغة، والبلاغة في حقيقتها تعني: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.

فكيف حدث إذن هذا التطابق في تلك الآيات؟

إليكم الشرح بإيجاز.

يقول د. فاضل صالح السامرائي في كتابه: “لمسات بيانية”:

لمّا بُشّر زكريا بيحيى قال تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)).

فكان ردّ زكريا (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)).

وذلك لأن البشارة جاءت بيحيى ويحيى “غلام” فكان الجواب باستخدام كلمة (غلام).

أما لمّا بشر مريم بعيسى قال تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)).

فجاء ردّها (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)).

وفي سورة آل عمران جاء في الآية (كلمة منه)، والكلمة أعمّ من (الغلام)، وقد جاء في الآية (إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

ولمّا كان التبشير باستخدام (كلمة منه) جاء الردّ بكلمة (ولد)؛ لأن الولد يُطلق على الذكر والأنثى وعلى المفرد والجمع، وقد ورد في القرآن استخدامها في موضع الجمع (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39)) (الكهف).

أما في سورة مريم فجاء التبشير في قوله تعالى (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)) باستخدام كلمة (غلام).

فجاء ردّ مريم (قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20))، باستخدام نفس الكلمة (غلام)؛ لأن المَلك جبريل عليه السلام أخبرها أنه يبشرها بغلام.

أما مع زكريا وتبشيره بيحيى فقد جاء أيضًا في سورة مريم بنفس الكلمة (غلام)، فكان الرد في الآيتين باستخدام كلمة (غلام).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق