الأسرة والمجتمع

علاج الفشل واليأس بالقرآن

سورة "الزمر" تقود اليائسين لنهر التفاؤل

 

في أنظمة العلاج الحديثة تُعالج المشاكل النفسية، ومنها المعاناة من المشاعر السلبية، بأن يجلس الشخص ويفكر بعدد من المشاعر السلبية الموجودة فيه، أو يحس بها، ثم يكتب عدة مشاعر إيجابية يطمح إلى تحقيقها.

ثم يفكر بما دوَّنه من مشاعر سلبية، وما تسببه له فيما لو استمر تفكيره على هذه الحال. وبعدها يتخيل المواقف الصعبة التي سيمرّ بها فيما لو ظل الحال على ما هو عليه، من انفعالات سلبية وتصرفات قد تسيء له.

ثم يتخيل نظرة المجتمع له، وهو يحمل هذه الاعتقادات والأحاسيس السلبية، وكذلك ردود أفعال المجتمع المحيط به. بعدها ينتقل إلى المشاعر الإيجابية والأفكار التي يحلم بحملها، والصفات التي يود التحلي بها، فيفكر بنتائجها الإيجابية، وبما ستقدمه له من استقرار نفسي وجسدي، ويتصور الحالة التي سيكون عليها فيما لو تحلى بهذه الصفات.

وأخيرًا يتخيل حجم الفوائد التي سيجنيها من المشاعر الإيجابية، وكيف ستتغير نظرة من حوله إليه.

القرآن والمشاعر

والذي يتأمل كتاب الله تعالى يلاحظ أنه استخدم هذه الطريقة في علاج الفشل لدى البشر، وكذلك علاج المشاعر السلبية وتحويلها إلى مشاعر إيجابية، منذ أن نزل على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).

في كتابه الكريم بـ”سورة الزمر” ينادي الله سبحانه وتعالى الذين أسرفوا على أنفسهم وارتكبوا المعاصي، بشيء كبير من الرحمة.

يقول تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) (الزمر: 53-54).

في هذا النداء يأمر الله هؤلاء اليائسين ألا يفقدوا الأمل من رحمته تعالى، ويخبرهم بأن الذنوب والفشل والمعاصي وكل أنواع الإسراف التي ارتكبوها فإن الله تعالى يمحوها بلمح البصر. وذلك شريطة أن يرجع الإنسان وينيب إلى الله تعالى بقلب سليم.

ثم يحذرهم من عذاب سيأتيهم إن لم يفعلوا ذلك ويرجعوا إلى الله ويتوبوا إليه.

الآية الأولى هنا جاءت بخبر إيجابي، أما الثانية فجاءت بخبر سلبي، فالأولى تتحدث عن مغفرة الله ورحمته، وعدم اليأس : (لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ).

والثانية تحذر من عواقب عدم الرجوع إلى الله وأن العذاب سيأتي: (وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ).

أما الآيات التالية لهما فتصور نتائج الأعمال السلبية، إذا بقي الإنسان عليها، وتأمره بتغييرها فورًا.

يقول تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الزمر: 55).

وهنا جاء الأمر الإيجابي: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ)، ثم تلته مباشرة النتيجة السلبية المؤلمة لمن لا ينفذ الأمر الإلهي: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ).

ثم تأتي مرحلة التصور لنتائج الفعل السلبي من خلال آيات مرعبة، تصور احتمالات متعددة لنتائج سلبية مؤكدة الحدوث، فيما لو لم نستجب للتغيير الإيجابي الذي يأمرنا القرآن به.

يقول تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر: 56-60].

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق