الخطاب الإلهي

لمحات جمالية في آيات القرآن (4-7)

الحكمة من "الاستعاذة" و"فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا"

كل القرآن بالطبع جميل، لكننا هنا بموقع التنوير (https://altanwer.com/) نسعى لتوضيح بعض روائع البيان في آيات القرآن، أو رصد “جماليات” معانيه، فهي من اللمحات التي تغيب عن البعض وهم يقرأون القرآن، فإذا عرفوها أمكن لهم أن يتذوقوا جمال الكلمات.

هذا هو الموضوع أو الحلقة “الرابعة” في توضيح تلك الجماليات.

 

اللمحة الأولى:

ما الحكمة في الأمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن في سورة النحل: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)؟

الجواب:

يقول الشيخ محمد الأمين الهرري الشافعي في تفسيره (حدائق الروْح والريحان في روابي علوم القرآن):

الحكمة في الاستعاذة عندها الاستئذان، وقَرْعُ الباب؛ لأن من أتى بابًا لملك من الْملوك
فإنه لا يدخل إلا بإذنه.

وكذلك من أراد قراءة القرآن؛ فإنما يريد بحقيقة الأمر الدخول في الْمُناجاة مع الحبيب، ولذا فهو بحاجة إلى طهارةِ اللسان؛ لأنه قد تنجَّس بفضول الكلام والبهتان، فيطهِّره بالتعوذ.

………

اللمحة الثانية:

ما الذي يُستفاد من دعاء موسى عليه السلام في قوله تعالى (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (القصص:24).

يقول الشيخ عبد الرحمن السّعدي صاحب التفسير المعروف بـ (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان):

الآية فيها استحباب الدعاء بتوضيح الحال وشرحها، ولو كان الله عالمًا بها، لأنه تعالى يحب تضرع عبده وإظهار ذله ومسكنته، كما قال موسى عليه السلام.

وهذا ما ينافي تنطع البعض الآن ومنعهم الناس من شرح حالتهم وهم يتضرعون إلى الله سبحانه، بل ويلزمونهم ببعض الأدعية، وكأن الدعاء تلزمه صيغة معينة كي يقبله الله سبحانه وتعالى ويستجيب لعباده!

…..

اللمحة الثالثة:

في سورة الكهف قال العبد الصالح لموسى عليه السلام عندما أراد أن يبرر له خرقه السفينة رغم أن أصحابها أحسنوا إليهما: (فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا).

وعندما قتل الغلام الصغير قال: (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا).

وفي بنائه للجدار قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا).

فلماذا غير العبد الصالح في نسبة الأفعال في كل واحدة؟! فمرة ينسب الفعل لنفسه أي أنه من فعل هذا الشيء، ومرة أخرى ينسبه إلى الله سبحانه وتعالى؟

فهو قد نسب قصد عيب السفينة إليه، في حين نسب الإبدال وإرادة بلوغ اليتيمين رشدهما لاستخراج الكنز إلى الله سبحانه وتعالى، مع أن الله هو مقدر الأمور كلها؟

 

في كتاب التفسير : (لُباب التأويل في معاني التنزيل) لصاحبه علاء الدين بن عمر الشيحي أبو الحسن، المعروف بـ”الخازن” المتوفى عام 741هـ. إجابة للسؤال السابق، إذ يقول:

لما كان المقصود عيب السفينة قال العبد الصالح: (فَأَرَدتُّ) وهو بذلك أضاف العيب لنفسه لا إلى الله تأدبًا معه سبحانه، ولأنها مفسدة.

ولما قتل الغلام قال: (فَأَرَدْنَا) بلفظ الجمع، تنبيهًا إلى أن القتل كان منه بأمر الله، وله حكمة مستقبلية، ولأنه مصلحة مشوبة بمفسدة.

أما لما ذكر السعي في مصلحة اليتيمين ببناء الجدار كي يظل الكنز مدفونًا تحته، قال: (فَأَرَادَ رَبُّك)، وهو بذلك نسب النعمة لله لأنها منه، ولأنها مصلحة خالصة.

…..

الآيات كاملة من سورة الكهف:

-آية السفينة:

(فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) (71)

-آية الغلام:

(فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا) (74)

-آية اليتيمين:

فَانطَلَقَا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا) (77)

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق