رؤى

يا فضيلة الإمام.. إنها حرب «إنقاذ الإسلام»

ليست معركة إنكار السنة لكنها حرب إنقاذ الإسلام من لصوص التأويل والتفسير

محمد الدسوقي رشدي

محمد الدسوقي رشدي

صحفي وإعلامي مصري، له العديد من الإسهامات في مجال الإعلام والثقافة، مقدم لأحد أشهر البرامج التحليلية «السياسية والاجتماعية» على احدى الفضائيات الخاصة.
محمد الدسوقي رشدي

آخر أعمال الكاتب محمد الدسوقي رشدي (كل المقالات)

تبدو الأمور واضحة فى أجندة الرئيس، بعض الأولويات لا تنسى ولا يدفنها الزمن حتى وإن لم يكتب لها السير فى خطها المنتظم أو تحقيق هدفها الأكبر.. الرئيس لا ينسى وتلك ميزة كبرى، خاصة إذا تعلق الأمر بملف مهم وقضية شائكة مثل تجديد الخطاب الدينى.

قبل سنوات من الآن فعلها الرئيس بشجاعة لا يمكن إنكارها وتحدث عن ضرورة تجديد الخطاب الدينى لمواجهة التطرف والإرهاب، والشجاعة هنا محلها أن هذا الملف تحديدا لم يجرؤ أحد من رجال السلطة أو السياسة على طرحه صراحة، بعد سنوات كان أهل النخبة والفكر فى مصر يصرخون بإلحاح على ضرورة فتح هذا الصندوق المغلق.

مناقشة دعوة الرئيس لتجديد الخطاب الدينى وتقويم المتطرف من أفكاره أو نسفها، أمر يستدعى منك تجردا تاما، سواء كنت مع السيسى أو ضده.

بداية هذا التجرد اعتراف بأننا فى مصر عشنا سنوات طويلة ننتظر قرارا حاسما بمد اليد فى تلك البحيرة العكرة التى تملؤها دعوات دينية متطرفة ومتخلفة.

دفع مثقفون ومفكرون ورجال دين أثمانا غالية حينما طلبوا ذلك من مبارك، فرد عليهم الرئيس الأسبق بفتح المجال أمام مزيد من الفضائيات للسلفيين والانتشار لشيوخ التيارات المتطرفة، وكثير من التهميش لدور الأزهر والدعاة المعتدلين، ومن بعد مبارك جاء مرسى وإخوانه ووعدوا الناس بتجديد للخطاب الدينى، ولما تجاوب المفكرون ورجال الدين مع دعوتهم اكتشفوا أن الإخوان أرادوا احتكار الدين تحت مظلة تجديد خطابه.

ثم جاء السيسى فى وقت ميلاد رغبة مجتمعية بضرورة تجديد الخطاب الدينى لحمايته من الاحتكار أو استغلاله فى السياسة أو استخدامه للتكفير أو تبرير أعمال الذبح والإرهاب، كانت مجرد دعوة تقول بأن الأوان قد حان لفتح باب الاجتهاد والتجديد، دون أن يخص بها أحدا أو يمنحها فرصة لمؤسسة ما لكى تسيطر.

وكعادة أى دعوة يطلقها رأس الدولة، تلقفها مستغلون مثلما تلقفها المخلصون، المخلصون انطلقوا فى هدوء لطرح أطروحاتهم الدينية ومشاكلهم مع الخطاب السلفى والداعشى وبعض أزمات كتب التراث، وأصحاب المصالح انطلقوا فى شتات بلا قيود، بلا منهج، يسفهون ويعلون من سقف انتقاداتهم للدين، لا لرجاله المتطرفين، بالشتائم والسخرية ظنا منهم أن ذبح الماضى سيكون قربانا للتقرب من السلطة.

هؤلاء تحديدا انطلقوا فى الفضائيات واستخدموا ألفاظ هتك العرض والحرق، لوصف كتب التراث والأئمة الأربعة، فى قضية أصلها كان الدعوة لتجديد الخطاب الدينى ونقله من مرحلة الإقصاء والتطرف السلفى إلى مرحلة الموعظة الحسنة ومواجهة الفكرة بالفكرة لا بالسيف أو السخرية، وجلب ذلك عليهم تململا شعبيا وغضبا مجتمعيا، لأن شعورا تسرب للناس بأن الذين تصدوا لمعركة التنوير شتامون أكثر من كونهم مفكرين.

بعضهم فى الفترة الماضية أراد أن يحاكم الرئيس ويحاسبه على دعوته التى طالما انتظروا معنا قبل 25 يناير أن نسمع مثلها ولم يحدث، والكل يعلم فى ظل حالة الشراهة للشهرة، وفى ظل حالة الارتباك الأزهرى، وفى ظل غياب منهج واضح فى هذا الملف داخل وزارة الأوقاف أن الخطاب الدينى لن يتم إصلاحه فى يوم وليلة، والكل يعلم أيضا أن المؤسسات الدينية والثقافية وأهل النخبة خذلوا الرئيس فى دعوته التى ألقاها بين أيديهم ليمارس أهل الاختصاص عملهم بحرية، لذا وجب الآن استغلال عودة الرئيس لطرح ملف تجديد الخطاب الدينى لتصحيح مسار الدعوة الرئاسية الأولى بخلق أرضية قوية لبناء هيكل قوى ومنظم لتجديد الخطاب الدينى يقطع الطريق على مجموعة المنتفعين، والمستغلين، وأصحاب الهوى والغرض، والغرض، كما تعلمون، مرض، وكل مرض وله دواء، ودواء الغرض أن تغلق الأبواب فى وجه أصحابه، وتمنح مساحات البراح للمخلصين.

هذه الحالة المرتبكة تحتاج إلى دقة أكبر فى ضبط المصطلحات، كنا ومازلنا الأشد احتياجا لمعركة التجديد، العقل ضد النقل، التفكير ضد السمع والطاعة، الاجتهاد ضد الدوران فى فلك عبدة النص، التطهير والتنقيح والتحقيق ضد تقديس أصحاب التفسيرات المكذوبة للسنة النبوية وإنزال منتج هؤلاء الشيوخ منزلة الكتب السماوية، لذا يبدو من الضرورى الآن التأكيد على أن حديث شيخ الأزهر فيما يخص خوض الحرب ضد منكرى السنة، يحتاج إلى إعادة تدقيق وتدبر من فضيلة الإمام نفسه وممن يستخدمون هذه الصيغة، وممن تلاعبوا بالقص واللصق والتأويل فى كلمة الرئيس الأخيرة أثناء الاحتفال بالمولد النبوى، لأن ما ورد فى كلمة الرئيس هو نفسه منهج الأزهر الشريف، الذى يجب أن يرفع راية خوض المعركة ضد لصوص التفسيرات والتأويلات الذين اعتادوا لسنوات طويلة إساءة استغلال السنة النبوية والأحاديث الشريفة عبر إعادة تأويلها وتفسيرها بشكل يخدم أهدافهم وتوجهاتهم المتطرفة.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق