رؤى

خطابان ضدان

السُّنة النبوية هى البيان النبوى للبلاغ القرآنى والتطبيق العملى للآيات القرآنية

الدكتور جابر عصفور

الدكتور جابر عصفور

كاتب ومفكر مصري، ووزير الثقافة الأسبق، كما تولى عدة مناصب رسمية في المجال الثقافي من بينها، رئيس المجلس القومي للترجمة والأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة.
الدكتور جابر عصفور

آخر أعمال الكاتب الدكتور جابر عصفور (كل المقالات)

صُدمتُ حين استمعتُ إلى كلمة شيخ الأزهر فى احتفال المولد النبوى الشريف يوم الإثنين الماضى الموافق التاسع عشر من نوفمبر 2018، وقد زادت صدمتى بعد أن استمعتُ إلى كلمتى السيد رئيس الجمهورية، نصًّا وارتجالًا، اللتينِ اختتم بهما الاحتفال بالمولد النبوى الشريف. والحق أننى لم أكتفِ بالاستماع فحسب، بل حرصتُ فى اليوم التالى على الحصول على نسخ مطبوعة من كلا الخطابين؛ وتسجيلات صوتية لكى أقرأهما وأسمعهما بتأمل وتأنٍّ. وكنتُ فى كل مرة أعاود فيها القراءة أزداد دهشة وتأملًا فى التضاد الفكرى الواضح بين كلام الرئيس وكلام شيخ الأزهر. والحق أن خطاب الرئيس وخطاب شيخ الأزهر خطابان نقيضان فى المنطلقات والدوافع والمبادئ الحاكمة على السواء.

وبعد أيام معدودة كدت أنسى الموضوع، لكن ما رأيتُه فى الصفحة الأولى من جريدة «المصرى اليوم» بتاريخ السبت الماضى الموافق الرابع والعشرين من نوفمبر 2018، أعادنى إلى الموضوع مرة أخرى، خصوصًا بعد أن قرأتُ الخبر الذى يصرح بأن «الآلاف يعلنون دعم شيخ الأزهر فى ساحة الطيب بالأقصر»، وأن اللجنة الشعبية لدعم ومناصرة القضايا الوطنية، وحزب الشعب الجمهورى واللجنة العامة لحزب الوفد بمحافظة الأقصر دعت كلها لعقد اجتماع مشترك للأحزاب والقبائل، ومختلف القوى الشعبية والوطنية لبحث تداعيات الهجوم على شيخ الأزهر وسبل الرد عليه. وتوقفتُ أمام ما نقلته الجريدة عن إمام الحباشى سلامة، الناشط بائتلاف قبائل الصعيد، «إن قبائل الصعيد تطالب بوقف الهجمة التى يتعرض لها الأزهر والحملة الممنهجة التى تستهدف السُّنة المُطهَّرة». وأكد محمد يس، وأحمد إدريس، عضوا مجلس النواب عن الأقصر، «أن البرلمان لن يقبل بأى هجوم على مؤسسة الأزهر ورموزه، وهناك تحرك سيتم تحت قبة البرلمان لوقف تلك الحملة الشرسة».

والحق أننى بعد أن قرأتُ كلمة شيخ الأزهر والتعقيب عليها، لم أجد فى الأمر ما يدعو إلى هذا التحرك الغاضب، فالأمر كله لا يستدعى إثارة النزعات القَبَليَّة وإنما المناقشة الهادئة التى تلتزم بآداب الحوار العقلى والتمعن فى هذا النوع من التضاد الفكرى الذى ظهر واضحًا فى خطابى شيخ الأزهر ورئيس الجمهورية على السواء. وأعترف أننى شعرت بنوع من الصدمة بعد أن قرأت النص المكتوب لخطاب شيخ الأزهر الذى ألقاه على الحاضرين، ومنهم رئيس الجمهورية. ففى الخطاب نبرة متشددة لم نعهدها من صاحب الخطاب، ولم نعتد عليها فى كلماته، فشيخ الأزهر – أشعرىّ الفكر، ماتُريدىّ المنزع – يؤمن بأهمية العقل والمجادلة بالتى هى أحسن كما يؤمن بها الأشاعرة، ومنهم الإمام الغزالى الذى تحدث فى كتابه «إحياء علوم الدين» عن أهمية العقل وضرورة اللجوء إليه والاستعانة به فى الحجاج والمجادلة، فالعقل هو حُجة الله على خلقه، وهو بمثابة النور الذى يهدى كل من يهتدى به لفهم حقائق الإسلام الوسطى الذى يهتدى – أول ما يهتدى- بالعقل والنقل معًا وبإعمال النظر فى القرآن الكريم والسُّنة المشرفة. ولكن شيخ الأزهر بدل أن يلجأ إلى ما اعتاد عليه من المجادلة بالتى هى أحسن، والسماحة فى القول، لم يتردد فى وصف المخالفين له بما لم نعتده منه. فالمخالِفون له أصبحوا من مُنكرى النبوة ومن عملاء الاستعمار، ومن أسلافهم من ادعى النبوة فى القرن التاسع عشر.

ويشير منطوق الخطاب إلى أن شيخ الأزهر يرى أن هناك دعوة إلى هجر السُّنة والهجوم عليها بما يزعزع مكانتها فى عقول الناس. وأول مظهر على ذلك هو الدعوات العقلانية المصرية المعاصرة التى شككت وأنكرت عددًا من أحاديث البخارى، وهو «أصح كتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى» وارتبط الأمر ثانيًا: فيما أدى إليه هذا الشك من دعوة إلى إنكار السُّنة والاعتماد على كتاب الله وحده أولًا، وما يوافقه من السُّنة العملية ثانيًا. وقد تطرف بعض أصحاب هذا الشك إلى ما يؤدى بأصحابه إلى هجر السنة بالكلية والاكتفاء بالقرآن الكريم وحده، وهو اتجاه من عُرفوا باسم «القرآنيين»، وهم فريق إسلامى ظهر فى الهند أولًا على يدى أحمد خان، وتلاهم من تبعه فى باكستان. وقد ظهر المذهب نفسه فى الأزهر على يدى الدكتور أحمد صبحى منصور فى أواخر السبعينيات، فدعا الرجل، اجتهادًا، إلى ما خالف رأى جمهور الأزهريين الذين لم يسكتوا عليه، فطُرد من الأزهر بعد سجنه لشهرين فيما أذكر. وبعد أن خرج من السجن عمل باحثًا فى مركز ابن خلدون إلى أن اضطُرَّ إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة سنة 2002م، دون أن يترك تأثيرًا كبيرًا.

وأغلب العقلانيين المسلمين – وأنا منهم – يؤمنون بما سبق أن عبر عنه الدكتور محمود زقزوق من أن السُّنة النبوية هى البيان النبوى للبلاغ القرآنى، وهى التطبيق العملى للآيات القرآنية التى أشارت إلى فرائض ومبادرات وتكاليف وشعائر ومناسك ومعاملات إسلامية. ولكن هذا الرأى السائد شىء ومحاولة تجديد الخطاب الدينى التى تؤدى إلى الشك فى عدد من الأحاديث شىء آخر. ولنتذكر ما يكرره شيخ الأزهر من أن تجديد الخطاب الدينى واجب دينى، وإشارته إلى الحديث الشريف الذى يؤكد معناه: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها»، وما كتبه المجددون فى الإسلام سواء فى الزمن القديم أو الحديث.

وقد توقف الشيخ أمين الخولى عند هؤلاء المجددين فى القرون الماضية، وتوقف غيره عند مجددى الأزهر فى العصر الحديث، وعلى رأسهم الإمام محمد عبده الذى كان يسعى إلى جعل الإسلام دينًا للعلم والمدنية، فنشر مقالاته التى تدعو إلى الإيمان بالعقل، وتقديم العقل على ظاهر النص عند التعارض، كما دعا إلى أنه لا سلطة دينية فى الإسلام، ورفض التكفير، كما دعا إلى الاعتبار بسنن الله فى الكون، ووجوب التجديد المستمر فى فهم الخطاب الدينى حتى لا يتجمد، ويتخلف المسلمون عن العصر.

وكانت النتيجة دعوات تنويرية خرجت من داخل الأزهر، واقترنت بدعوات تجديدية أخرى تجاوبت معها من داخل الجامعة المصرية، تؤمن كلها بتجديد الخطاب الدينى، كما تؤمن بضرورة هذا التجديد الذى يعنى بالضرورة تصديقًا لحديث الرسول الذى يدعو المسلمين إلى إحداث التوازن الدائم – فى جهود علمائهم – بين متغيرات العصر والحضارة، والنص الدينى بكل ما يمكن أن يخترق تقاليده من جمود أو ثبات أو نزعة تقليدية رافضة لتطور الحياة ومستحدثات التقدم. وترتب على هذه الدعوة الصدام بين المقلدين من رجال الدين، القانعين بما تركه لهم السابقون الذين تصوروا أن مهمتهم هى التقبل الدائم لما تركه أسلافهم.

ولم يكن من الغريب أن تخلَّفنا فى هذا النوع من التجديد جعلنا بعيدين عن اختراعات العالم المتقدم كله، سواء فى تطوير السيطرة على الطبيعة، وغزو الفضاء، والثورات المذهلة فى علوم الطبيعة والطاقة والبيولوﭽيا وتكنولوﭽيا الاتصالات..إلخ، فأصبحنا متلقين تابعين فى العلم، بعد أن كنا صانعى حضارة ومؤسسى نهضة الدنيا كلها. والنتيجة شيوع التقليد والجمود والتخلف، وهو ما نسعى إلى القضاء عليه، واللحاق بقاطرة التقدم، وإلا بقينا أسرى أهل التعصب والجمود الذين أشاعوا الإرهاب الدينى باسم الإسلام فى العالم كله.

وما كان أحرى بشيخ الأزهر أن يبدأ من هذه النقطة، ويحدث المسلمين على تجديد الخطاب الدينى وضرورة تحريره من كل ما يرفضه نبينا الذى هو «رسول الحرية» فيما كتب عنه عبد الرحمن الشرقاوى، أو الدين الإسلامى الذى جعل «التفكير فريضة إسلامية» كما فهم العقاد من الإسلام. وكان يمكن أن يشرح لنا سنة الرسول (عليه الصلاة والسلام)، فى الاجتهاد فى الدنيا التى نعيشها لأننا أدرى بدنيانا، أو مواصلة الاجتهاد فى كل مجال حتى لو أخطأ المجتهد، فالاجتهاد فريضة إسلامية، ولكل مجتهد نصيب. ونحن مكلفون من النبى (صلى الله عليه وسلم)، بأن نطلب العلم من أقصى أقاصى الأرض، وأن نسعى إلى تطوير فهمنا بالعلم والحياة، فالتعلم الدائم مبدأ أصيل من المبادئ التى دعا إليها الرسول الكريم الذى نحتفل بميلاده الذى يذكرنا بدعوته إلى العدل والكرامة الإنسانية والتقدم والتجدد فى آن. ولكن شيخ الأزهر ترك ذلك كله وأمثاله – ونحن أحوج ما نكون إلى سماع رأيه فيه – إلى الدفاع عن السُّنة ومهاجمة المحاربين لها أو المشككين فيها، خصوصا بعض الذين يشتط بهم الاجتهاد فينكرونها مكتفين بنص القرآن وحده، مخافة اتباع أحاديث يصعب على العقل المعاصر قبولها.

والحق أن خطاب شيخ الأزهر فى احتفال المولد النبوى الشريف، هو دفاع عن السُّنة فى غير موضعه من ناحية، وانحراف بالمناسبة الدينية العامة إلى هجوم لا مجال له إلا فى الدوائر الدينية المتخصصة فى قاعات البحث، أو الدرس، أو النقاش العلمى، أو حتى المناظرات التليفزيونية من ناحية موازية، فالإشارة إلى مُنكرى السُّنة هى إشارة لا يمكن فهمها – أولًا- إلا فى ضوء الدعوات التى أنكرت السُّنة النبوية، أولا، فى الهند فى القرن التاسع عشر، والتى اقترنت – ثانيًا- ببعض العقلانيين المعاصرين الذين شككوا فى أحاديث البخارى أو غيره من الأحاديث لما رأوه فى بعض هذه الأحاديث من انتفاء العقلانية سواء فى المتن أو السند.

ويقينى أنه من الصعب على عقل مسلم معاصر أن يقبل عددًا غير قليل من الأحاديث النبوية التى يرويها البخارى فى صحيحه أو غير صحيحه من كتب الصحاح الستة أو كتب المسانيد. ولا داعى لأن نكثر من أمثال هذه الأحاديث، فحسبنا الإشارة إلى ما رُوى عن أبى هريرة من قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إذا وقع الذباب فى شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه؛ فإن فى أحد جناحيه داء وفى الآخر شفاء». وأمثال هذا الحديث كثيرة، سواء فيما يتصل بالمرأة، ومنه الحديث الذى يقول: « لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». أو غير ذلك من قضايا الكون أو التحزب إلى هذا الفريق أو غيره من الفرق الإسلامية المتصارعة، والتى أحالت التاريخ الإسلامى إلى تاريخ من الدماء.

ومن المؤكد أن موضوع «الأحاديث النبوية» موضوع شائك وصعب، ويكفى أن نعرف أن البخارى الذى جمع ستمائة ألف حديث لم يصح عنده بعد حذف المكرر سوى 2602، وهذا رقم إن دل على شىء فإنما يدل على أن كل الفِرق المتخاصمة والمتصارعة عبر تاريخ الإسلام كانت تلجأ إلى تأليف الأحاديث ونسبتها زورًا إلى النبى (صلى الله عليه وسلم)، وذلك رفعًا من شأن هذه الفرق- الأحزاب، أو دفاعًا عن مواقفها السياسية والاجتماعية، أو ذمًّا لخصومها الفكريين، وكان عدد غير قليل من هؤلاء الواضعين خبيرًا فى الصنعة، فلجأ إلى براعة المحاكاة لما يسميه الرواة بـ: «سلاسل الذهب» أو مخايلة المتن بالسلامة، كى يبدو الحديث المكذوب صحيحًا.

وكلنا يعلم الجهد المُضنى الذى بذله البخارى، مثلًا، عبر عشرين سنة ليجمع صحيحه، أو الجهد المُضنى الذى بذله مُسلم ليستدرك بصحيحه على البخارى. وقُل الأمر نفسه على سُنن النسائى وأبى داود والترمذى. ولا أظن أن شيخ الأزهر نفسه يرتاح إلى كثير من الأحاديث المروية حتى التى تبدو صحيحة فى الظاهر، وهو أمر لعله لو تروَّى فيه ما وصــــل فى هجومه على مُنكرى السُّنة إلى ما وصل إليه فى النكير على المخالفين له.

وظنى أن شيخ الأزهر فى خطابه لم يكن يتحدث عن منكرى السُّنة على طريقة أبى الحسن الأشعرى (260-324هـ) فى القرنين الثالث والرابع للهجرة، وعلى طريقة أبى منصور الماتريدى (233/247-333هـ) فى القرنين الثالث والرابع الهجريين أيضًا، وهو ممثل الفهم الحنفى الصوفى للأشعرى، وإنما كان يتحدث على طريقة ابن تيمية (661-728هـ) فى القرنين السابع والثامن للهجرة، الذى بلغ على يديه المذهب الحنبلى قمة تشدده واكتماله فى آن.

إن هذا التشدد هو ما يدفعنى إلى الظن بأن خطاب شيخ الأزهر أقرب إلى السلفية الوهابية التى نجدها فى خطاب ابن باز، مفتى السعودية الأسبق الذى كفَّر كل من أنكر وجوب العمل بسُنَّة رسول الله، وله فى ذلك مقال على موقعه فى شبكة المعلومات الدولية بعنوان: «وجوب العمل بسنة رسول الله، وكُفر من أنكرها». وابن باز، رحمة الله عليه، واحد من فقهاء السلفية الوهابية المشهورين بتشددهم ورفضهم لعمل المرأة بوجه عام، أو إشراكها فى الحياة السياسية والاجتماعية مهما كانت الأسباب بوجه خاص، فلا ولاية للمرأة عنده بوجه عام، وتشدده فى التقليد أمر معروف للكافة، خصوصًا من يتابعون الفكر الحنبلى فى أشكاله المتأخرة المقترنة بزعم ممثليها أنهم «الفرقة الناجية» الوحيدة فى الإسلام، ومن عداهم أو اختلف معهم فهو ضال أو كافر. صحيح أن شيخ الأزهر لا يلجأ إلى التكفير – وهذا جانب من طبيعته السمحة – احترامًا لتقاليد أرساها الإمام محمد عبده فى الأزهر، فمحمد عبده يرفض مبدأ التكفير، ولكن عبارات شيخ الأزهر «الوثوقية» تجعل ما ذهب إليه، وما نطقه فى خطابه قريبًا فى الدلالة من دلالات التكفير.

هذه النبرة الوثوقية لا يمكن فصلها عن بعض المفردات والصيغ اللغوية التى تخايل السامع للخطاب بأن المتحدث يتحدث من موقع يضعه موضع «السُّلطة الدينية» التى يمكن أن تدعمها المادة الثانية من الدستور التى تنص على أن «الإسلام دين الدولة… ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى للتشريع»، والمادة السابعة التى تنص على أن: «الأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة… وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشئون الإسلامية. ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم… وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء».

والحق أن تحوّل الأزهر إلى «سلطة دينية» هو ما كنا نخشاه بعد اعتماد الدستور الأخير، وهو ما نرجو أن نتجنب مخاطره فى سنواتنا القابلة، فأنا من الذين يؤمنون مع الإمام محمد عبده بأنه لا سلطة دينية فى الإسلام، وأن الإسلام ليس فيه ما يشبه سُلطة الكنيسة المسيحية التى كان من نتائج طغيانها، الفصل بين السلطة الدينية والسلطة المدنية، فأصبح للكنيسة حق السيطرة على الاعتقاد والأعمال فيما هو من معاملة العبد لربه، وانفردت السلطة المدنية بحق التشريع فى معاملات الناس بعضهم لبعض، وحق السيطرة على ما يحفظ نظام اجتماعهم، فى معاشهم لا فى معادهم. ولكن الوضع فى الإسلام مختلف فيما يرى الإمام محمد عبده، فالإسلام لا يحتم قرن السُّلطتين فى شخص واحد على أساس من حق مقدس، والسلطان ليس مُقرر الدين بل نائب الأمة، والمسلم ليس مُستعبَدًا لهذا النائب بدينه، فليس فى الإسلام سلطة دينية ابتداء، سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، وهى سلطة خوَّلها الله لأدنى المسلمين يقرع بها أنف أعلاهم، كما خوَّلها لأعلاهم يتناول بها مَنْ أدناهم، وما يقال عن الخليفة أو السلطان يقال عن القاضى أو المفتى أو شيخ الإسلام، أو حتى شيخ الأزهر، فالإسلام لا يجعل لهؤلاء جميعًا أدنى سلطة على العقائد، وكل سلطة يتناولها واحد من هؤلاء، فهى «سلطة مدنية» لم يقررها الشرع الإسلامى الذى يجعل الإيمان كالتكليف عملا فرديا بين العبد وربه دون وسيط أو سلطة بشرية. فلا يسوغ لواحد منهما أن يدَّعى حق السيطرة على إيمان أحد وعبادته لربه، أو ينازعه حقه فى الاختلاف أو الاجتهاد. إن الإسلام لم يدع لأحد بعد الله ورسوله سلطانًا على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، وإن الرسول (عليه الصلاة والسلام) كان مُبلِّغًا ومُذكِّرًا لا مُهيمنًا ولا مُسيطرًا، ولم يجعل لأحد من أهله سلطة أن يحل ولا أن يربط لا فى الأرض ولا فى السماء. والمسئولية الدينية هى مسؤولية فردية تؤكدها الآية: «وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا». (سورة الإسراء – الآية 13)، وهو الأمر الذى يعنى أن الدين مسئولية فردية بين العبد (الفرد) وربه دون وساطة من أحد على مستوى الإفراد، أو من مؤسسة على مستوى الجمع، وإلا أعدنا منطق الكهنوت المرفوض فى الإسلام.

وإذا تركنا كل هذه الملاحظات الناتجة عن تحليل خطاب شيخ الأزهر إلى الملاحظات المقابلة لخطاب رئيس الجمهورية، فإننا ننتقل من النقيض إلى النقيض، فرئيس الجمهورية يبدأ على الفور بتحديد الرسالة السامية للإسلام، ويراها فى المبادئ التى هى فهم معاصر للإسلام فى تطلعه إلى أن يكون إنسانى النزعة، لا يعرف العصبية العِرقية، ولا التمييز الدينى، ولا الإرهاب الفكرى، وآية ذلك قوله:

إن رسالة الإسلام هى رحمة للعالمين. وإنها حرصت كل الحرص على إرساء مبادئ وقواعد التعايش السِّلمى بين البشر. مؤكدة حق الناس جميعًا فى الحياة الكريمة. نافية للتمييز بين الناس على أساس من دين أو لون أو جنس، فقد خلقنا المولى شعوبًا وقبائل متنوعين ثقافيًّا ودينيًّا وعرقيًّا، لكى نتعارف.

وينتقل الخطاب إلى كيفية تطبيق هذه الرسالة إلى سلوك عملى وواقع ملموس فى حياتنا ودنيانا، ويكون ذلك عن طريق المبادئ التالية:

أولًا: لا إكراه فى الدين، ليرسخ بذلك قيم التسامح وقبول الآخر، إلا أنه من دواعى الأسف أن يكون من بيننا من لم يستوعب صحيح الدين وتعاليم نبينا الكريم، فأخطأ الفهم والتفسير، وهجر الوسطية والاعتدال، منحرفًا عن تعاليم الشريعة السمحة ليتبع آراء جامحة ورؤى متطرفة.

ثانيًا: حرمة النفس وقدسية حمايتها وصونها من الأذى والاعتداء.

ثالثًا: على كل مسلم أن يؤكد هذه القيم أو المبادئ ويجعلها مسئوليته، فكلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيَّته. وتأتى فى مقدمة تلك المسئوليات:

أمانة الكلمة.

تصحيح المفاهيم الخاطئة.

بيان حقيقة ديننا السمح.

تفنيد مزاعم من يريدون استغلال الدين بالباطل، فيحيلونه إلى دين يبرر الاستغلال سواء كان استغلال شعوب أو استغلال أفراد، فهو دين يدعو إلى العدل والمساواة بين الناس بما يؤكد معنى الديمقراطية السياسية من ناحية ومعنى العدل الاجتماعى من ناحية مقابلة.

ويعنى ذلك كله – على مستوى السياسة العامة للدولة – بناء الإنسان وتنوير العقول وتكوين الشخصية الوطنية على أسس سليمة، فذلك هو المحور الأساسى فى أى جهود للتقدم وتنمية المجتمع. ولذلك يدعو الرئيس علماءنا وآئمتنا ومثقفينا إلى بذل المزيد من الجهد فى أداء دورهم التنويرى، ويكون ذلك عن طريق استدعاء القيم الفاضلة التى حث عليها الإسلام ورسولنا الكريم، أعنى القيم التى تنادى بالعمل والبناء والإتقان والإخاء الإنسانى والحرية المكفولة للفرد والجماعة فى الاختيار الاجتماعى والسياسى لكى نواجه بها أولئك الذين يدعون إلى التطرف والإرهاب. ويترتب على ذلك عمليًّا:

أ- التطلع إلى المزيد من الجهود لإعادة قراءة تراثنا الفكرى قراءة واقعية مستنيرة.

ب- أن نقتبس من ذلك التراث الهائل كميًّا، والمتناقض كيفيًّا، كل ما ينفعنا فى زمننا ويتلاءم مع متطلبات عصرنا وطبيعة مستجداته ويسهم فى إنارة الطريق لمستقبل مشرق بإذن الله تعالى لوطننا وأمتنا والأجيال القادمة من أبنائنا.

هكذا يؤكد الرئيس ضرورة الاختيار من التراث (حتى الدينى) على أساس ما يفيد الحاضر، وهجر ما لا يفيد وما لا يساعد على بناء المستقبل. وهذا هو جوهر تجديد الخطاب الدينى، فيما نتفق فيه مع خطاب السيد الرئيس. فالتجديد بهذا المعنى، وفى هذا السياق، هو فعل اختيار ما بين الصالح والدائم والنافع للمستقبل، وترك أو هجر ما ليس صالحًا للحاضر وما يهدد المستقبل على السواء. وعلى أساس من عملية الاختيار هذه وبآلياتها الخطابية فى الثقافة، نجعل من وطننا مصر منارة للسلام والرُّقى، فنستعيد مكانتها الطبيعية بوصفها مركزًا للحضارة والعلم والثقافة، ومن ثم واحة للحرية والعدل والتقدم الذى لن يحدث إلا بالمساواة بين أبناء الإنسانية جميعًا، فضلا عن أبناء الوطن خصوصا، وهو ما يعنى العودة إلى شعار ثورة 1919 «الدين لله والوطن للجميع».

وإذا تأملنا مفردات خطاب الرئيس، والعلاقات الدلالية بين ملفوظاته، وجدناه بمثابة خطة عمل فى بناء حاضر يتجه إلى المستقبل، منهجها فى ذلك منهج عقلانى، يعتمد المرونة القائمة على الاختيار، والتأويل الذى ينتقل بالمُسلم من الدائرة الضيقة المنحازة إلى الجنس أو العِرق، إلى الدائرة الإنسانية الأوسع المنحازة إلى الإنسان مهما كان عِرقه أو جنسه أو ديانته. ويعنى هذا النوع من الخطاب، ضمنا، رفض السلطة الدينية والسعى الحثيث إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية، حتى إن لم يكن ذلك متحقِّقًا بكل تمامه فى الواقع، فالرغبة مشروعة والنية مُعلنة والطريق طويل إلى التحقق واقعيا على مستوى المخاطِب (بكسر الطاء) أو المخاطَب (بفتح الطاء).

وإذا عاودنا النظر إلى خطاب الرئيس من منظور عقلانى إسلامى، تحديدًا، وجدناه نقيضًا لخطاب شيخ الأزهر الذى لم يجاوز النظرة الضيقة إلى حل مشكلة الإسلام فى مواجهة تحديات العصر بكل تعقيداته، ويبدو رافضًا للاجتهاد، أو إعمال العقل فى مساءلة الموروث بكل سلبياته، أو النظرة الرحبة المرنة إلى مستحدثات العصر فى كل مجالاتها. أما خطاب الرئيس فى المقابل، فيبدو واضحًا من خلال العلاقات الدلالية التى تتخلل الخطاب، والدوافع المحرِّكة لمنطوقاته التى يمكن استنباطها من تفاعل دلالات الخطاب على النحو التالى:

أولا: إن الرئيس يعيش عالمه المعاصر، ويسمع من أقرانه على امتداد الكرة الأرضية اتهام الدين الإسلامى بالإرهاب، مع أن الدين الإسلامى فى جوهره الحقيقى برئ من هذا الإرهاب الذى أسهمت فى صنعه قوى شريرة فى الداخل والخارج. وثانى هذه الدوافع: الألم الذى يتركه فى النفس نزيف الدماء المستمر لأبناء الوطن بفعل جرائم الإرهاب الدينى المتكررة. وثالث هذه الدوافع: العبء الاقتصادى الذى تتحمله الدولة نتيجة محاولة تعطيل برامج التنمية، وإعاقتها بفعل الاغتيالات الجماعية التى تقوم بها عصابات الإرهاب الدينى على امتداد الوطن كله. ورابع هذه الدوافع: أشكال التمييز الدينى التى لا تزال سارية كالهواء فى المجتمع المصرى، فتؤدى إلى الاحتقان الطائفى، ولا تنفع معها الحلول المؤقتة أو المُسكِّنة، مثل بيت العائلة، أو التقبيل المتبادل لرجال الدين الإسلامى والمسيحى بعد كل أزمة عابرة دون اللجوء الحاسم إلى القانون الذى يجب أن يَسُنَّ – تشريعيًّا – عقابًا على التمييز الدينى بأى شكل من أشكاله.

ترى ماذا يمكن أن ينتج عن هذا التحليل لخطاب كل من شيخ الأزهر ورئيس الجمهورية؟ إن النتيجة بالطبع لن تكون فى مصلحة شيخ الأزهر الذى يبدو خطابه اكتفاء بماضٍ لم يعد يصلح فى مواجهة تحديات العصر، وتمسكًا بموروث محدد يفرض الماضى الساكن على حركة متوثِّبة نحو المستقبل، وذلك على نحو يخلو من المرونة العقلية، وينطوى على تمييز ونزوع سلطوى، لا يخلو من نزعة وثوقية ترفض الاختلاف معها أو حتى مناقشتها.

والنتيجة لذلك كله هى أننا نصبح إزاء خطابين نقيضين، كلاهما أشبه بالضد فى علاقته بنقيضه. ولا حل فى هذه الحالة إلا بنوع من الجدل بالمعنى الفلسفى الذى يجاوز النقيضين إلى مُركَّب جديد، يجاوز النقائض السلبية، إلى ما يجمع بين الإيجابيات، فيضيف إلى الاثنين، فى فعل الحركة الخلاقة إلى الأمام ما يغير من الخطابين معًا، فيضيف إلى الطرف السياسى، فهم الحرية والعدالة وحق الاختلاف والتعددية السياسية، كما يضيف إلى الطرف الدينى، التوازن بين العقل والنقل والتسامح والمجادلة بالتى هى أحسن وعدم الوثوقية أو الجمود على الرأى الواحد أو حتى استغلال ما يخرج عن دائرة الجدل من دعم خارجى يتمثل فى مظاهرات ضاغطة هنا أو هناك.

فالحق لا يناقض الحق كما يقول ابن رشد، والمجادلة بالتى هى أحسن هى الأصل السمح الذى يقوم عليها الإسلام وليس المجادلة بالتى هى أقمع بما يقارب بين الخطاب الأزهرى والخطاب السلفى فى دائرة الإرهاب الدينى (ويلفت الانتباه أن الحديث النبوى الوحيد الذى ختم به شيخ الأزهر خطابه موجود فيما كتبه ابن باز عن تكفير منكرى السنة؟!) ولذلك فالمطالبة بعودة الأزهر إلى التسامح مع كل اجتهاد، وقبول حق الخطأ فيه، وهو حق إسلامى أصيل، هو ما نرجو أن يكون سمة للأزهر أو علمائه الذين علَّمونا التنوير، ابتداء من حسن العطار وليس انتهاء بالشيخ أحمد الطيب الذى أعرف إيمانه بحق الاجتهاد فى فهم النصوص الدينية، وهو حق مقدس حتى من منظور الإسلام نفسه، فقد جعل الله فى الاختلاف رحمة للعالمين، ومنارة لتقدمهم فى الكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق