ملفات خاصة

الإسلام دين الحرية والاعتدال

في هذه الحياة، لا نحيا سوى بحريتنا، وأيًا ما كانت ماهية تلك الحرية المتاحة، وأيًا ما كان إدراكنا لها، فوجودها أمر لا محيص عنه، بصورة واسعة أو بصورة أقل اتساعًا، وهي ما نطلق عليه الكبت والحرمان من الحرية. ولكن ما هي تلك التي ندعوها حرية؟، وأي شيء قد يصلح أن يكون تعريفًا شافيًا وافيًا لها؟. ربما نختلف حول تعريفنا لها، ولكننا دائمًا وأبدًا ندور في فلكها، فكل منا يقتبس من ثناها ما يُدرك وما يَقْدَر، ومن الخير أن لا يُدرك تمام الإدراك وألا يقدر تمام المقدرة. ولكنني ألفيت فيها شيئًا عامًا تتوالد من عموميته الكثير من الخواص، وهي الحالات التي تخلُق التعدد في الرؤى التي نرجع بها لماهية الحرية نفسها.

إننا في هذه الحياة نتحرك ما بين الضرورة والممكن، إنها المساحة الواقعة ما بين الفردية المطلقة والتعددية المطلقة أيضًا، فما بينهما تقع بديهيات عقولنا ومكتسبات مداركنا ومعارفنا العقلية، وهي حالة يروق لي أن أصفها بالبناء الإنساني الذي لا يتم، ولكنه لابد وأن يتقدم إلى حدٍ ما، وهذا الحد هو التفاوت الإنساني والذي قضت به الحكمة الإلهية في وجود قواعد أساسية هي الشاهد على العدل الإلهي الذي لا تخالج العقل شائبة بحكمته.

وهل كانت الشرائع السماوية والتي أُنزلت لهداية الإنسان، سوى الطريق القويم المتسِع والذي يحفظ للإنسان حريته، وحرية تفكيره، وحرية اختياراته مبتعدًا به عن مغارات اللصوص التي تقبع على جنبات الطريق دومًا محاولةً اجتذاب الفرد نحو الرضوخ للضرورة وقيد الفردية، أو نحو التشتت في مغاور التعددية التي لا تنتهي، فالحقيقة أن الدين لا يُحرِم الإنسان حريته، ولكنه يرشده لصورتها الأجمل، وتحديدًا الأكمل.

بيد أن، الحرية المقصودة في هذا الإطار لا تربو عن كونها حرية مُلتَزِمة، ومُقَنَّنَة بميزان الشَّرع، والعادات، والتقاليد، بحيث لا تتطرق إلى أن تكون تطرفًا وفوضوية مزعجة.

حقًا، إذا نظرنا إلى الدين الإسلامي نجد أنه دين الحرية، والاستقامة، والاعتدال، لا دين التطرف والانحراف؛ فهو دين الحرية([1]) لأن الحق سبحانه وتعالى يقول:)لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ([ سورة البقرة: 256].

ويقول جل شأنه أيضًا:)وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا([ سورة الكهف: 29]. وغيرها الكثير والكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي حثت على أن يعتقد غير المسلمين ما يشاءون، ويدينون بأي دين يبتغون، وأنه لا أحدٌ مُكره أو مُجبر على الدخول في الإسلام، في الوقت نفسه الذي يستنكر عليهم ما يدينون به من كفر.

والإسلام دين الاستقامة، لأنه أمر بها، وحث عليها، وبيَّن جزاء مخالفتها؛ وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:)فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ([ سورة هود: 112]. قال “ابن عاشور”:” الاستقامة: هي العمل بكمال الشريعة؛ بحيث لا ينحرف عنها قيد شبر”. وقال “صاحب ظلال القرآن”:” فالاستقامة: الاعتدال، والمعنى على النهج دون انحراف…

ومما يستحق الانتباه هنا أن النهي الذي أعقب الأمر بالاستقامة لم يكن نهيًا عن القصور والتقصير، وإنما كان نهيًا عن الطغيان والمجاوزة… والله يريد دينه كما أنزله، ويريد الاستقامة على ما أمر دون إفراط ولا غلو، فالإفراط والغلو يخرجان هذا الدين عن طبيعته”.

وقال سبحانه وتعالى في بيان عاقبة الاستقامة:”(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)[ سورة الأحقاف:13] وقال جلَّ شأنه:)وَأَلَّوْ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا([ سورة الجن:16]. وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث النبوية التي تحث على الاستقامة، وتحذر من تعدي حدود الله تعالى([2]).

ومن ثمَّ، فإن الإسلام هو بحق دين الأنبياء جميعًا؛ الذين كانت دعوتهم عبادة الله وحده لا شريك له وذلك من خلال الرجوع إلى الفطرة السليمة غير المنحرفة والمتطرفة، وقد حملت هذه الدعوة بين جنباتها الرفق، واللين، والحكمة، والموعظة الحسنة، ليس مع أنصارها فحسب، بل ومع أعدائها أيضًا، وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى مخاطبًا موسى وأخاه هارون حين أمرهما بالذهاب إلى فرعون:)اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى([ سورة طه: 43،44].

كما حثَّ الحق سبحانه وتعالى أنبياءه على أن يُبشروا قومهم وينذرونهم، يقول جلَّ شأنه:(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[ سورة البقرة: 213].

والإسلام دين الاعتدال والوسطية السمحة([3]) في كل مناحي الحياة دون إفراط ولا تفريط؛ الإفراط المبالغة بقصد التزام أحكام الدين، والتفريط التهاون بأحكامه. وسطية معتدلة من غير مغالاة أو تطرف.

وقد جاء ذلك في قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)[ سورة البقرة: 143]. قال الإمام الحافظ ابن كثير:(والوسط هنا: الخيار الأجود، كما يقال: قريش وسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، ولما جعل الله عز وجل هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع، وأقوى المناهج، وأوضح المذاهب)([4]).

وقد جاء في السنة النبوية المطهرة الكثير من الأحاديث الشريفة التي تحث على هذه الوسطية والاعتدال والتي منها على سبيل المثال لا الحصر، من حديث أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) عنها أنها قَالَتْ:” دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي امْرَأَةٌ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقُلْتُ: امْرَأَةٌ لَا تَنَامُ، تُصَلِّي. قَالَ: »عَلَيْكُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا« وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ”([5]).

لذا، فلا غرو أن تكون الأمة الإسلامية، الأمة التي تتبع دين ربها سبحانه دون إفراطٍ أو تفريطٍ، أمة الوسطية، ودينها وسط بين الغالي فيه والجافي عنه، كالوادي بين جبلين، والهُدى بين ضلالتين، والوسطِ بين طرفين ذميمين. فكما أن الجافيَ عن الأمرِ مضيّعٌ له فالغالي فيه مضيّعٌ له أيضًا، هذا بتقصيرهِ عن الحدّ، وهذا بتجاوزهِ الحدّ، وإنَّ التزحزحَ عن هذا المنهجِ الوسطِ يُعَدُّ افتراءً على الله في حكمه، واستدراكًا عليه في شرعه، وإنَّ وسطيةَ الإسلامِ وسماحتَه لا تؤخذُ من العقول البشرية، ولكنها تؤخذُ من النصوص الشرعية، وإنَّ دينَ الإسلامِ والمتمسكينَ به بعلمٍ برآءٌ من الانحراف عن الوسط، سواءِ الجانحِ إلى الغلوِ، أو الْمَائِلِ إلى التقصير. والذي ينحرف عن هذه الوسطيةِ بغلوٍ أو جفاءٍ، لم يتمسكْ بالإسلامِ بكمالهِ، وهو غيرُ ممثلٍ لَهُ، وإنما يمثلُ نفسَه([6]).

أما عن عدل الإسلام ورحمته فقد وردت العديد من آيات الذكر الحكيم والأحاديث النبوية الشريفة في هذا الشأن، فالإسلام دين الرحمة ورسوله رسول الرحمة ليس للمسلمين فقط، وإنما للعالمين من الإنس، والجن، والحيوانات، والجمادات. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في وصف رسوله مع المؤمنين به:)فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ( [ سورة ال عمران: 159]. أما عن حاله صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين قال عنه ربه جلَّ وعلَّ:)وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ( [ سورة الأنبياء: 107]. وغيرها الكثير من الآيات والأحاديث النبوية التي تؤكد على رحمة الإسلام وعدله مع جميع العالمين.

من كل هذا، يتضح أن الإسلام ينبذ التطرف، والتشدد، والغلو، والعنف، وكل ما يخالف الصفات والسمات الحميدة سابقة الذكر. ولا نستطيع فهم حقيقة التسامح والاعتدال إلا إذا عرفنا التطرف، وذلك من باب أن الضد بالضد يُعرف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق