أخطاء شائعة

جزاء الذين يحاربون الله ورسوله (1-6)

عدنان الرفاعي

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

(وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِۗ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ).. [يونس:60]

.. الكذب على الله تعالى، ليس كالكذب على من هو دونه، فإضافة لعدم تقوى االله تعالى والافتراء عليه، فإنَّ الكذب على االله تعالى ينتج سوءاً يتم احتسابه من منهج االله تعالى زوراً وبهتاناً، وهذا يؤدي إلى الإساءة لمنهج الله تعالى، بتشويه دلالاته في نفوس الناس، وإلى خداع الناس وإضلالهم..

.. وتتجلى الإساءة لمنهج الله تعالى، حينما تكون الأمور المكذوبة، تتعلَّق بدماء الناس وكراماتهم، من أحكام تمنهِج الاعتداء على الآخرين، وتعطي أصحاب النفوس المريضة الاعتقاد بأنهم يملكون التفويض من االله تعالى، لقتل الناس والاعتداء على كلِّ ما هو إنساني في حياتهم..

.. وكثيرة هي الأمور التي تمَّ تلفيقها ظلماً وعدواناً على منهج الله تعالى، إما بافتراء روايات ما أنزل الله تعالى بها من سلطان، وإما بتحريف دلالات بعض النصوص القرآنية، لتوافق هوى المرض الكامن في نفوس المُفترين..

.. في هذا البحث سنقف عند نص كريم، لم يفَسر خلال التاريخ في سياقه السليم، الذي يجب أن يفسر به، فلُويت دلالاته باتجاه سلبي، مما جعل أصحاب النفوس المريضة من المحسوبين على الإسلام، يستخدمون ذلك كمبرر لممارسة الإرهاب الكامن في جيناتهم النفسية، ومما جعل أعداء الإسلام يستشهدون بهذه التفاسير الخاطئة للهجوم على كتاب االله تعالى والنيل منه..

.. هذا النص الكريم هو قوله تعالى:

(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَاۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْۖ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).. [المائدة: ٣٤ – ٣٣]

.. قبل الدخول في تفسير دلالات هذا النص الكريم، لا بد من الوقوف عند سنة الله تعالى، التي لا تتبدل ولا تتحول، والتي يحملها كتابه الكريم بشكلٍ جلي لا لبس فيه..

هذه السنة هي أنه لا تكليف من االله تعالى للبشر بأخذ عقوبة دنيوية، وذلك في كلِّ المسائل المتعلّقة بالعقيدة، وبحرية الاختيار الديني والمذهبي.. فكلُّ العقوبات الدنيوية التي ترد في كتاب الله تعالى تكليفاً بالقيام بها، لا تتجاوز كونها جزاءً على جنايات تهتك حرمة أعراض الناس، وأموالهم، ودمائهم..

.. فمن يكفر بالله تعالى لا يحاسب – على مجرد كفره – في الدنيا من قبل البشر، إنما حسابه على االله تعالى، حيث الآخرة بانتظاره..

(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا).. [الكهف:29]

.. وحتى من يتنقَّل بين الإيمان والكفر، حتى موته، أمره إلى االله تعالى، وعقوبته – على مجرد نفاقه وكفره – موكولة إلى االله تعالى..

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (137) بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا).. [النساء: 137 – 140]

.. وهذا لا يعني أنَّ محاربة الله تعالى ورسوله عقدياً ، والكفر بالله تعالى، والنفاق، هو أمر سهلٌ وبسيط.. أبداً.. جزاء الله تعالى على من يكفر به ويحارب منهجه، هو عنده جلَّ وعلا، ولم يوكلْه للبشر..

.. لذلك نرى في كتاب الله تعالى عقوبة – دنيوية – على جناية الزنا، وعقوبة على جناية الإتيان بالفاحشة، وعقوبة على جناية رمي المحصنات، وعقوبة على جناية السرقة، وعقوبة على جناية الاعتداء على دماء الآخرين ……. وفي كلِّ ذلك تأكيدًا على حرية المعتقد، وأن يختار الإنسان ما يريد في عقيدته حراً، شريطة ألاَّ يتعدى على حريات الآخرين وحقوقهم.. فالعقوبات الصريحة في كتاب الله تعالى فُرِضت لحماية الإنسان، وليس لفرض شيءٍ عليه، وفي كلِّ ذلك تتجلَّى حكمة االله تعالى في تأمين حرية الإنسان

ليختار دون إكراه، وذلك من أهم مقتضيات الامتحان العادل للإنسان في حياته الدنيا..

.. فسنة الله تعالى التي لا تتبدل ولا تتحول في منهجه الكريم تقتضي تكليف المجتمع بمعاقبة مرتكبي الجنايات ضد الناس، مهما كان الجاني، ومهما كانت الضحية.. وفي ذلك حكمة لمنع انتشار الجنايات في المجتمع حفاظاً على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، كلِّ الناس، مهما كانت معتقداتهم ومذاهبهم وطوائفهم، مؤمنين كانوا أم كافرين..

.. بينما حق الله تعالى في اعتقاد الإنسان وإيمانه كفره، يحاسب الله تعالى هو عليه، ولم يوكلْه للناس، لأنَّ الله تعالى هو وفقط هو العالم بحقيقة إيمان الناس وكفرهم..

ولذلك يأمرنا الله تعالى بأن لا نصف أي إنسان بأنه ليس مؤمناً، كون الإيمان حقيقة في القلب لا يعلمها إلاَّ االله تعالى..

(وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).. [النساء: 94]

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق