«آيات الجهاد» في خطاب «جماعات الإرهاب» (4)

وتستمر معكم سلسلة «آيات الجهاد» في خطاب «جماعات الإرهاب» والتي نتعرض خلالها للمعنى المضيء والحقيقي لآيات الجهاد في القرآن الكريم، والتي حولتها الجماعات الإرهابية إلى أدلة شرعية لقتل الأبرياء وسفك الدماء وهتك الأعراض واستباحة الأموال، تحت زعم أن القرآن الكريم أمرهم بالقتال والجهاد في سبيل الله، وهو الأمر الذي أساء إلى الإسلام والمسلمين، وجعلنا في عيون الآخرين مجرد قتلة وسفاحين.
واليوم نلتقي مع الحلقة الرابعة من سلسلة «آيات الجهاد»، من خلال الآيتين 72 و 74 من سورة الأنفال حيث قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
ويقول سبحانه وتعالى في الآية 74 من سورة الأنفال: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
يقول الشيخ مصطفى العطفي، من علماء الأزهر الشريف، إن الآية الكريمة تكشف الصورة البيضاء للإسلام، فهي تحرض المسلمين على فعل الخير ولم تحرضهم مطلقاً على قتل الأبرياء أو سفك الدماء، حيث تحدثنا الآية الكريمة عن فئتين من المؤمنين، الفئة الأولى وهي كما جاءت في السورة الكريمة: «الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ»، أي الفئة الفائزة برضا الله وثوابه وهي الفئة المؤمنة، التي آمنت بالله وهجرت المعصية، وجاهدت بكل ما تملك في سبيل الله، ولم تتحدث الآية عن قتال أو تحريض المسلمين على سفك دماء الآخرين، بل تحدثت عن «تفضيل» قوم عن قوم آخرين في الأجر والثواب بناء على معيار واحد وهو معيار العمل.
كما أن الجهاد الوارد في الآية الكريمة، هو عدة أنواع يأتي في مقدمتها جهاد النفس ومنعها من الظلم والمعصية، وأكل حقوق الناس وسفك الدماء، وحفظ حقوق وأموال وأعراض الناس، ويأتي في آخرها جهاد «القتال».
وقد جعل القرآن الكريم القتال، وهو أخر أنواع الجهاد مقيداً بقيود صارمة ومحدداً بشروط حازمة ولم يجعله مباحاً، يأتي في مقدمتها أن يكون «جهاد دفع» لرد العدوان، وليس للاعتداء علي الآخرين، كما حدد لقتال الدفع آداباً وشروطاً ومنها أن المجاهد «لا يَغدر ولا يفسد ولا يَقتل امرأة أو شيخًا أو طفلا، ولا يَتبع مُدبرا، ولا يُجهز على جريح، ولا يُمثِل بقتيل، ولا يسيء إلى أسير، ولا يلطم وجها، ولا يتعرض لمسالم ولو كان ملحداً وكافراً بالله، لأن الدين كله لله، وقد قال تعالي: «لكم دينكم ولي دين»، وقال تعالى: « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ». (99 – يس)
كما جعل أمر الجهاد وقراره حصراً على ولي الأمر، وهو حاكم الدولة، ولم يجعل الله سبحانه وتعالى لعامة الناس أو الجماعات الإرهابية المارقة عن حدود الدين، لم يجعل لهم أمراً ولا مشورة ولا قراراً في اتخاذ قرار الجهاد لرد العدوان عن بلاد المسلمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق