بيضاء للناظرين (2-2)

تفسير المصطلحات الثلاثة لكلمة زينة المرأة الواردة في الآية 31 من سورة النور

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

آخر أعمال الكاتب عدنان الرفاعي (كل المقالات)

     هذا المقال

كانت وستظل المرأة محور اهتمام ورعاية الشريعة الإسلامية، فهناك آيات عدة توصي بالمرأة وتنظم لها حياتها وتحفظ حقوقها.

ويأتي هذا المقال ليتناول واحدًا من الجوانب المهمة في تنظيم حياة المرأة، وعلاقتها بمن حولها من الذكور سواء كانوا رجالًا أو أطفالًا.. مُحرّمين عليها أو يحلون لها..

وهذا بالطبع وفقًا لما فهمه الكاتب من دراسته المتعمقة لآيات القرآن الكريم التي تعرضت للنساء وزينتهن وحقوقهن وما عليهن من واجبات.

استعرضنا في المقال السابق معنيين لمصطلح زينة المرأة من المنظور القرآني، والوارد في قوله تعالى: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31]..

حيث وردت كلمة: (زينتهنَّ)، (3) مرّات، لكل منها معنى مختلف عن الآخر، وسنتناول في الأسطر التالية المعنى الثالث من هذا المصطلح في هذه الآية الكريمة التي نحن بصدد دراستها:

المعنى الثالث لمصطلح زينة المرأة

3 – العبارة الثالثة: (… وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ…) [النور: 31]، تُضيء جانبًا آخر من الزينة المعنيّة..

وهنا.. المطلوب من المرأة: ألاَّ تتحرَّك (مادّيًّا بجسمها، أو معنويًّا كإيماء وقول) تحرّكًا يُؤدِّي إلى علم زينتها المخفيّة (مادّيًّا ومعنويًّا)، وذلك أمام الجميع..

فلا نرى – هنا في العبارة الثالثة – استثناءً من الزينة، كما هو حال العبارة الأولى، ولا نرى استثناءً لبعض الرجال، كما هو حال العبارة الثانية..

.. وفي هذا الجانب – الذي تُضيئه هذه العبارة – يدخل جسم المرأة بما يحمل من زينةٍ لها.. وهو جانب مستقل تمامًا عن الجانب السابق..

هنا في هذه المسألة الحاملة لكلمة: (زينتهنَّ)، في ورودها الثالث في هذه الآية الكريمة: (ولا يضربن بأرجلهنَّ ليُعلمَ ما يُخفين من زينتهنَّ).. نعم.. يتعلَّق الأمر – فيما يتعلَّق – بجسم المرأة.. لكن.. ما نراه أنَّه لا استثناء إطلاقًا (لا من الزينة ولا من الرجال) يسمح لها بذلك..

.. إذًا.. لا تُوجَد في النصِّ – مجرَّد إشارة – لإسقاط دلالات العبارة الأخيرة الحاملة لكلمة: (زينتهنَّ)، التي لا استثناء فيها لا من الزينة ولا لبعض الرجال: (ولا يضربن بأرجلهنَّ ليُعلمَ ما يُخفين من زينتهنَّ)، على دلالات العبارة الثانية التي تستثني المذكورين فيها: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو…………)..

ولا يُوجد ما يشير مجرّد إشارة لإسقاط دلالات المسألة: (وليضربن بخمرهنَّ على جيوبهنَّ) على دلالات المسألة: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو…………)..

الأوامر الإلهية المختلفة لمصطلح زينة المرأة

فكما بيّنا.. نحن أمام مجموعة مسائل مختلفة، كلٌّ منها يتعلَّق بالأمر الإلهي: (وقُل للمؤمنات) وكلٌّ منها يُضيء جانبًا ممّا يُطلَب من المرأة فِعْله..

.. من هذه الأوامر.. ما يتعلَّق بالسلوك الطاهر، وبالابتعاد عن الفاحشة:

(يغضضن من أبصارهنَّ ويحفظن فروجهنَّ)

.. ومن هذه الأوامر.. ما يتعلَّق ببهجتها، وبما تتزيّن به من حلي ولباس، ضمن إطار العفّة والعرف الاجتماعي الطاهر:

(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِۖ)..

.. ومن هذه الأوامر.. ما يتعلَّق بما يظهر من المرأة دون تصنّع كوجهها ويديها، وما يتعلَّق بلباسها:

(ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ ما ظهر منها)

(وليضربن بخمرهنَّ على جيوبهنَّ)

.. ومن هذه الأوامر.. ما يتعلَّق بحركتها مادّيًّا ومعنويًّا.. كما بيّنا..

(ولا يضربن بأرجلهنَّ ليُعلمَ ما يُخفين من زينتهنَّ)

.. إذًا.. العبارة الثانية الحاملة لكلمة: (زينتهنَّ): (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو…………)، تحمل أمرًا يسمح للمرأة المؤمنة أن تُبدي للمذكورين في هذه العبارة، بهجتها، وبما تتزيّن به من حلي ولباس، بعفّة، وضمن إطار العرف الاجتماعي الطاهر.. ولا علاقة لذلك بمفاتنها كأنثى، وقد بيّنا ذلك بما فيه الكفاية..

.. وكنّا قد وقفنا عند قوله تعالى:

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)) [المؤمنون]

.. فكلُّ ما يثير الشهوة، وما يتعلَّق بالأنوثة كجنس، مهما كان، لا تُبديه المرأة إلاَّ لزوجها.. فقط.. وفقط لا غير..

فمن يبتغي الشهوة وما يتعلَّق بها من المقدّمات لها حتّى الزنا، دون زوجته أو ما ملكت يمينه (حسب التعريف القرآني لملك اليمين، وليس حسب التعريف التاريخي الفقهي)، فهو من العادين المخالفين لحدود الله تعالى..

.. إذًا.. علينا أن نميِّز بين ما يظهر من زينة المرأة، كطبيعة خلقية دون تكلّف وتصنّع، وكهُويّة تُميّزها عن غيرها، وكلباس لحلي وما تتزيّن به المرأة ضمن إطار لباسها المحتشم، وضمن حدود العرف، في لباس الحلي وما يجمّل المرأة، حيث لا مشكلة بإبدائها لذلك أمام جميع الناس، مادامت عفيفة محتشمة في لباسها: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ ما ظهر منها)..

علينا أن نميّز بين ذلك.. وبين الزينة ذاتها بما تعنيه من بهجة، وحضور المرأة بارتياح، وحركتها دون تحفّظ، باطمئنان اجتماعي، وما تلبسه من حلي وغيره ممّا يُعتبر زينة، بحدود الطمأنينة ممّن تبدي هذه الزينة أمامهم: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو…………).. وبين استخدام الزينة كوسيلة للتبرّج وإظهار المفاتن المثيرة للشهوة، والذي لا يكون إلاَّ لزوجها..

.. إذاً.. هناك ثلاث درجات لما تبديه المرأة من زينة:

1 – التبرّج وإظهار المفاتن، وتبدي ذلك لزوجها حصرًا..

2 – الزينة كبهجة وحضور آمن، وتبديها أمام المذكورين في الآية (31) من سورة النور..

3 – ما ظهر منها بشكلٍ طبيعي دون تكلّف وتصنّع، وتبديه أمام كلِّ الناس..

.. والزعم بأنَّ زينة المرأة المعنيّة في قوله تعالى: (ولا يُبدين زينتهنَّ إلاَّ لبعولتهنّ أو آبائهنَّ أو…………)، تتعلَّق بمفاتنها كأنثى وبما يثير شهوة الرجل، هو جهلٌ، وإسقاطٌ لأهواء النفس وشهواتها، على نصوص كتاب الله تعالى، وقد بيّنا ذلك بما فيه الكفاية..

المصدر:

من مقال «بيضاء للناظرين»، المنشور بالموقع الرسمي للمهندس عدنان الرفاعي.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق