ثقافة الحوار في القرآن الكريم

التواصل بين الشعوب يخفف من حدة الصراع

نحن أمة القرآن، لذلك يجب استدعاء آيات القرآن الكريم في جميع شئون حياتنا بالتدبر والفهم والعمل،حتى يكون هو غايتنا ومحور اهتمامنا.

ومن بين أهم ما تضمنته آيات الذكر الحكيم، في إطار تنظيم حياتنا اليومية والعلاقة بين أفراد المجتمع الواحد أو الأمم المتجاورة، هي ثقافة الحوار.

فالتواصل بين الناس بشكل عام يأتي من خلال الحوار سواء على المستوى الداخلي أو حتى على مستوى الشعوب المختلفة، لذلك يجب أن يكون هناك ضوابط تحكم هذا الحوار، لأن الحوار داخل البلد الواحدة أو على المستوى الخارجي يحدث التقارب بين الشعوب ويخفف من حدة الصراع بين الأفراد والشعوب والحضارات وما يتبعه.

آداب الحوار كما جاءت بها آيات القرآن

والقرآن الكريم جاء بالحوار وحدد ضوابطه وآدابه وقدّم أكثر من نموذج، وكل ذلك ممكن أن نجمعه تحت تسمية ثقافة الحوار في القرآن الكريم.

وفي دراسة بعنوان «ثقافة الحوار في القرآن»، ذكر الدكتور مولاي عمر بن حماد، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب جامعة الملك محمد الخامس بالمملكة المغربية، أنه لم تُرد كلمة حوار في القرآن الكريم إلا في آيات ثلاث فقط.

وقال إن اثنتين منها جاءت في سورة الكهف في معرِض الحديث عن قصة صاحب الجنتين وحواره مع صاحبه الذي لا يملك مالًا كثيرًا..

فقال تعالى عنهما في الموضع الأول: «وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا» (الكهف: 34)

وقال تعالى عنهما في نفس السورة: «قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا» (الكهف :37).

أما الآية الثالثة التي وردت فيها كلمة حوار فهي من سورة المجادلة في قوله تعالى: «قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ »  (المجادلة :1)

وأوضح «بن حماد» في مقاله أن، الحوار بما أنه وسيلة تواصلية أوسع من حصره في هذه الكلمة، فقد جاء التعبير عنه بمفردات أخرى قريبة منه من أهمها الجدل التي وردت في تسعة وعشرين موضعًا منها :

  1.   «وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا» (النساء :106)
  2.  «هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا» (النساء :108)
  3. «وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ» (الأنعام : 25). وغيرها من الآيات التي تحمل نفس المعنى.

ويؤكد أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب، أن الحوار في القرآن لا يمكن حصر مساحته في الآيات التي تتضمن مادة حوار أو جدل أو ما في حكمهما… بل نعتبر كل المواد الحوارية الواردة في القرآن الكريم شاهدة لهذا الموضوع من ذلك مثلًا قوله تعالى لموسى: «اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)» (طه: 43-44)

 

الدعوة إلى الحوار في القرآن الكريم:

يقول الكاتب إن أول مقام يمكن التنبيه عليه في مساحة الحوار في القرآن، الدعوة إلى الحوار وقد جاءت في سياقات عديدة. ومن النصوص الصريحة الداعية إلى التمسك بالحوار وسيلة للتواصل قوله تعالى: «ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ» (النحل :125)

كقوله تعالى:  «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ …» (العنكبوت: 46) 

فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون في قوله: «فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ» (طه:44)

 

مستويات الحوار في القرآن الكريم

واستخلص الكاتب الملاحظات الأساسية التي يمكن الخروج بها، أن الحوار في القرآن الكريم كان على جميع المستويات مما يدل على أنه سيبقى هو أفضل وسيلة للتواصل على الإطلاق. وبيان ذلك على الشكل التالي:

– الحوار بين الأنبياء والملائكة:

ويشهد لهذا القسم آيات كثيرة منها قوله تعالى عن ابراهيم :«فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَىٰ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ » (هود:74)

-الحوار بين الأنبياء و أقوامهم

وهذا من أبرز المجالات التي برز فيها الحوار وسيلة أولى في الإقناع ويمكن اعتبار المساحة الحوارية في القرآن الكريم بين الأنبياء و أقوامهم من أوسع المساحات، ونحن هنا لا يمكن أن نستوعب كل ما ورد فيها من نصوص بل ما فيها من الإشارات والدلالات!

ومن ذلك قوله تعالى عن نوح :«لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» (الاعراف:59)

 

-الحوار بين المؤمنين وأقوامهم

وهذا مستوى آخر من مستويات الحوار في القرآن الكريم وفيه جاءت الآية الصريحة في تسمية الحوار باسمه وإن بينّا بما فيه الكفاية أن الأمر أوسع من ذلك…قال تعالى : «وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32)كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33)» (الكهف)

ولقد سمى الله تعالى كلام كلا الطرفين حوارًا ومحاورة منه وهنا تبرز أهمية مقارعة الحجة بالحجة.

وبيّن الكاتب أن هذا الحوار لا يعني التلفيق ولا يعني السفسطة.. بل له آدابه وله شروطه وله أفقه وكل ذلك تحدّث عنه القرآن الكريم.

وأخيرًا خرج الدكتور مولاي عمر بن حماد، بنتيجة وهي، إن كل حديث عن الحوار أو التواصل لا يمكن أن يكون مثمرًا خارجيًا إلا بقدر إثماره داخليًا، و كل تقليل من دور الحوار الداخلي سينعكس سلبًا على حوارنا الخارجي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق