مرجعية القرآن وشمولية الدعوة

أهم أسس المنهج الإصلاحي للمفكر العربي «علي محمد الشرفاء الحمادي»

د.محمد الرباني

مفكر موريتاني، حصل على الدكتوراه من جامعة جان موليه بليون بفرنسا بدرجة الشرف الأولى. له عدة مؤلفات، منها: التعليم المحظري، النهضة العصرية ومفهوم الإسلام، ويرأس الآن مدرسة الدكتوراه بكلية الآداب بجامعة نواكشوط العصرية.
د.محمد الرباني

آخر أعمال الكاتب د.محمد الرباني (كل المقالات)

قال تعالى: «مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » (الأحزاب: 23)

يترسّم المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، هذا الدرب فقد سخّر نفسه وماله ووقته في سبيل إعلاء كلمة الله لا يبتغي غير وجه الله سعيًا لإصلاح المجتمعات العربية الإسلامية والتقارب بين الأمم والحضارات لتعيش الآدمية في سلام و وئام.

ففي الوقت الذي يلهث فيه الآخرون وراء بياض الدرهم جريًا، وركضًا، وهرولة، وخببًا، وحبوًا تقودهم المادة وتستعبدهم المصالح فينقادون بخطام الدنيا ويتغافلون عما خلقهم الله له، ألم يخلقهم للعبادة! قال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ» (الذاريات: 56-57).

في هذا الوقت العصيب بالذات وفّق المفكر والداعية والمصلح مسخرًا نفسه لهذا السبيل لا يمنعه سواد ليل ولا بياض نهار، لا يمنعه حر ولا قر من متابعة الأحداث و توجيه الأمة إلى جادة الصواب.

فالله وحده يجزل له العطاء و يجازيه خيرًا بما عمل ويعمل في سبيل الله، قال تعالى: «مِّنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اْللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » (الأحزاب:23)

وقال تعالى : «وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (التوبة: 105)

لقد اعتمد المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، في منهجه ومن خلال مؤلفاته ومقالاته وأشعاره لتحقيق هذا المُبتغى البعيد الشأو في ظل وضعية الأمة العربية الحالية.

اعتمد إذن المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، على مجموعة أبعاد وقف عندها واستجلى فيها الأوضاع وقدّم الحلول، معتمدًا على رؤية تزاوج بين مرجعية القرآن كدستور ورابط مقدس وكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه من جهة، وعلى البعد الشامل الحضاري لهذه الرسالة التي وُجِّهت إلى كافة البشر.

لذا اعتمد المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، في دعوته الإصلاحية ومنهجه الشامل على الأبعاد الآتية:

1 ـ البعد الديني والقومي.

2 ـ البعد الاجتماعي.

3 ـ البعد العمراني الحضاري.

4 ـ البعد الإنساني والنظرة الشاملة.

وهو ما حدا بنا إلى أن نقسم هذا العمل إلى محاور نستجلي من خلالها أهم هذه الأبعاد، محاولين استخلاص الرؤية الشاملة التى دعا إليها المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، ومبرزين كذلك التفصيلات العامة لمنهجه المتكامل الذي بناه على هذه الثنائية الجميلة: (مرجعية القرآن – وشمولية الدعوة).. وهو ما اخترناه عن قصد عنوانًا لهذا المقال.

لذا و سعيًا لتحقيق هذا المُبتغى تفرض علينا المنهجية أن نقوم بما يلي:

أ ـ تلخيص لأهم المضامين التي ينطوي عليها كتاب: المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي.

ب ـ إبراز أهم الأفكار والإشكالات والرؤية الجوهرية التي بُنيّ عليها هذا الكتاب باعتباره الكتاب الأساس لأهم أعماله الفكرية التي تدعو لرؤية إصلاحية مؤسّسة على منهج واضح وذلك من خلال المراحل التالية:

ـ استجلاء الأوضاع العامة للأمة العربية الإسلامية.

ـ نقد الوضعية الحالية.

ـ البحث عن أسباب ومكمن الضعف في الدين الإسلامي اليوم.

ـ  ضعف المجتمع الإسلامي وأسباب ذلك.

ـ التراث الإسلامي والخطر المداهم.

ـ  المسار التاريخي والحضاري.

ـ ثم الخروج بفكرة واضحة وسليمة تترجم رؤية المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، والتي مفادها بالإجمال، أن لا تقدم ولا سِلم ولا تحضّر إلا برؤية إنسانية شاملة وفهم صحيح للدين الإسلامي. ولن يتحقق ذلك إلا بالرجوع  إلى القرآن كمرجعية حقيقية للدين، تحفظه من الروايات وتحصنه من المزايدات والأباطيل المضللة التي انقسم فيها المسلمون اليوم إلى شيّع لا تنحصر وهي انقسامات أصلها ومردها يرجع بالأساس إلى الرواة من أعداء الدين.

لقد كانت هذه الروايات بمثابة انقلاب منظم ومنهج على القرآن ومعول هدم مسلّط على الدين، دستها أمم أخرى أعداء للأمة العربية وأعداء للدين كالمجوس واليهود .

لقد أصابت الروايات الهدف حيث أدت إلى تشتيت الأمة الإسلامية وتفريقها حين انتشر التمذهب والطائفية والتحزّب والفِرَق وصار كل فريق يدعو إلى حزبه وطائفته ويفند ما عليه الطائفة الأخرى، حتى صار المسلم يرفع صوته بالتكبير قاتلًا ويرفع صوته بالتكبير مقتولًا، وهذا ما ترجمه المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، للعالم أجمع في قوله:

«ساد الباطل في المجتمع الإسلامي عندما تمت تنحية القرآن الكريم كمرجع للتشريع ومنبع للاستنباط ونور الله يخرج الناس من الظلمات إلى النور، تراجع المسلمون في شتى علوم الحياة وتراجع التفكير في البحث والإبداع، وأصبح المسلمون بما وهبهم الله من ثروات وخيرا ت تعينهم على الاختراعات والتميز والإنتاج والإسهام في تقدم الحضارة الانسانية في مختلف العلوم التي يعتبرها الدين الإسلامي إحدى عناصر العبادة وطاعة الله في التفكر والتدبر فيما خلق، ليوظفوا ما تحقق لهم من نتائج تستفيد بها البشرية.

أصبح المسلمون يتلقون فوائض ما تجود به أسواق الغرب عليهم ويدفعون لهم ثرواتهم ثمنًا رخيصًا. لقد عصوا الله في أمره لهم بالتدبر والتفكر وخسروا ما وهبهم الله من رزق وثروة ورضوا بالروايات التي شلّت التفكير وحل محله التكفير ليتحقق التشرذم والتقاتل بين المسلمين، فينشغلوا بأنفسهم وغيرهم يعمل بجهد واجتهاد في تطوير العلوم وتنمية الأوطان لتحقيق الرفاهية لشعوبهم، ونحن رضينا بالدماء تروي الأرض بغيًا وظلمًا وتخلفًا عندما تركنا منهج رسالة العلوم والإيمان وحلّت مكانها دعوة القتل والطغيان»

من كتاب «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي» (ط 1 – ص 102) للمفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، الصادر عن مؤسسة رسالة السلام للتنوير والأبحاث.

ويضيف في مقام آخر استكمالًا لشرح هذه الدعوة وفقرات هذا المنهج:

«إن ما تقاسيه الأمة العربية من حياة الضنك والشقاء والتقاتل والتخلف في الماضي والحاضر نتيجة منطقية لإخلالهم ببنود العقد المقدس الذي احتوته آيات القرآن الكريم، وقد وضع الله لهم قاعدة واضحة تحدد لهم خارطة الطريق في قوله سبحانه : «فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى»  (طه: 123-126)

يقول المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، بالحرف الواحد: «الكل يقف بكل الذل والخشوع أمام رب الناس وخالق الكون لا يمتلكون شيئًا من أمرهم»

فليتذكر المسلمون قوله تعالي: «يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا». (طه: 108)

خلاصة القول عن هذا المنهج:

منهج متكامل ودعوة صريحة لتخليص الأمة من ثعابين الروايات المضللة وقلم جاد لبناء أمة ريادية قائدة تتبع ما جاء به رسول أمين أدى الأمانة وبلغ الرسالة وحدد فصولها باعتبار الإسلام رسالة رحمة وعدل وحرية ومساواة.

 

 

المصدر:

مقال «مرجعية القرآن/ وشمولية الدعوة.. المنهج الإصلاحي للمنظّر والداعية علي محمد الشرفاء/ د.محمد الرباني» المنشور بموقع الفتح

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق