كتاب وذكر وفرقان

هل القرآن الكريم أنزله الله تعالى للعرب.. أم للبشريّة جمعاء؟

عدنان الرفاعي

مهندس وباحث سوري، وهو يعد من أعلام حركة إصلاح التراث الإسلامي، في الوطن العربي، قدّم عددًا من البرامج التليفزيونية.
عدنان الرفاعي

آخر أعمال الكاتب عدنان الرفاعي (كل المقالات)

.. كلمة (القرآن) كاسم ذات، تحمل جميع الصفات، ومنها صفة الذِّكْر، ومن قمّة الجهالة، حصر صفة الذِّكْر كصفة من صفات القرآن الكريم، بالصيغة الصوتيّة للقرآن الكريم (حيث تصف – صفة الذِّكْر – أيضًا – كما رأينا – التواصل المعرفي لما يتعلَّق بملّة إبراهيم عليه السلام، وبعتبة من معرفة دلالات كلمات كتاب الله تعالى)… الصيغة الصوتيّة التي تُسمَع، تتعلَّق بالقرآن كاسم ذات:

(وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: 204]

.. الصيغة الصوتيّة التي تُسمَع، نراها تتعلَّق باسم الذات: (القرآن) .. فالسماع والإنصات (فاستمعوا له وأنصتوا) يتعلَّق بالقرآن الكريم، كذاتٍ تعود إليها كلُّ الصفات..

.. وهذا ما نراه أيضًا في قوله تعالى:

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا) [الجن: 1]

.. فالصيغة السمعيّة: (سمعنا) نراها تتعلَّق باسم الذات القرآن: (سمعنا قرآنا عجبًا).. وهذا ما نراه أيضًا في قوله تعالى:

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [فصّلت: 26]…

وهذا ما نراه في قوله تعالى:

(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُواۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ) [الأحقاف: 29]..

ومن قمّة الجهالة، اعتبار الصيغة الصوتيّة محصورةً بالذِّكْر، استشهادًا بقوله تعالى:

(مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) [الأنبياء: 2]

(وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ) [القلم: 51]

.. الذِّكْر – كما رأينا – هو اسم صفة من مجموعة أسماء الصفات للقرآن الكريم، ورأينا تعلّق الصيغة الصوتيّة كسماع بالقرآن الكريم كذات، حيث الذِّكْر صفة من صفات هذه الذات (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) [ص: 1]، لا العكس.. فكيف إذًا يمكن لعاقل أن يتخيَّل أنَّ تعلَّق السماع بصفة من صفات الذات يعني حصر السماع بهذه الصفة، وهو يرى بعينيه – في الوقت ذاته – تعلّق السماع بالذات (القرآن)، ويرى تعلّق السماع بأمور وصفات أخرى؟!!! ..

(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [المائدة: 38]

(وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُواۖ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [الأعراف: 198]

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) [الأنفال: 31]

(… فأجِره حتى يسمع كلام الله ثمّ أبلغه مأمنه…)) [التوبة: 6]

(يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا… ) [الجاثية: 8]

(قالوا يا قَومَنا إِنّا سَمِعنا كِتابًا أُنزِلَ مِن بَعدِ موسىٰ مُصَدِّقًا لِما بَينَ يَدَيهِ يَهدي إِلَى الحَقِّ وَإِلىٰ طَريقٍ مُستَقيمٍ) [الأحقاف: 30]

(وأنّا لمّا سمعنا الهُدى آمنّا به …) [الجن: 13]

.. والقول بأنَّ الذِّكْر هو الصيغة الصوتيّة للقرآن الكريم، وذلك انطلاقًا من كون صفة (عربي) تعلَّقت بالقرآن الكريم، هو قول فاسد، لأنَّ كلمة (عربي) لا علاقة لها بالبعد القومي.. إطلاقًا.. وقد بيّنت ذلك في النظريّة الخامسة (إحدى الكُبَر) وفي بحث (إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًّا).. فكلمة (عربي) تعني الكمال والتمام والخلو من العيب والنقص، ولا علاقة لها بالبشر وقوميّاتهم.. إطلاقًا.. ولا مجال في هذا السياق لإعادة شرح هذا الأمر بالتفصيل.. لكن.. وعلى عجل أقول: هل أحكام القرآن الكريم هي خاصّة بقوم العرب بناء على قوله تعالى: (وكذلك أنزلناه حكمًا عربيًّا) [الرعد: 37]؟.. أليس المعنى هنا أنَّ الله تعالى أنزل القرآن الكريم، حال كونه حُكمًا تامًّا كاملًا، لا عيب فيه ولا نقص؟..

.. أليست كلمة : (( عُرُبًا )) في قوله تعالى : (( إنّا أنشأناهنَّ إنشاءً (35) فجعلناهنَّ أبكارًا (36) عُرُبًا أترابًا )) [ الواقعة : 35 – 37 ] ، تعني أنَّ اللاتي سينشئهنّ الله تعالى في الآخرة ، كاملات تامّات خاليات من أيِّ عيب أو نقص .. وهل من الممكن لعاقل أن يتخيّل أنَّ كلمة : (( عُرُبًا )) هنا تعني من مصر أو سوريا أو الجزائر … ؟!!! ..

.. هل القرآن الكريم أنزله الله تعالى للعرب، أم للبشريّة جمعاء؟ .. أليس قوله تعالى: (( إنّا أنزلناه قرآنًا عربيًّا لعلَّكم تعقلون )) [ يوسف : 2 ] يعني : إنّا أنزلناه قرآنًا كاملًا تامًّا خاليًا من أيِّ عيب أو نقص ، لعلّكم أيها الناس تعقلون؟.

 

 

 

المصدر:

من بحث «القرآن كتابٌ وذكرٌ وفرقان» المنشور على الموقع الرسمي للمهندس «عدنان الرفاعي»

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق