«الفؤاد» في السياق القرآني

تقويم الحواس والمشاعر يسمو بصاحبها لأعلى مراتب الإنسانية

استكمالًا لما تحدثنا عنه في موضوع سابق بشأن التفريق في المعنى بين الفؤاد والقلب والعقل، وذلك من خلال السياق القرآني والفهم الصحيح لآيات القرآن..

وبعد أن تحدثنا سابقًا عن «القلب» في السياق القرآني، فإننا  نستعرض في الأسطر التالية، ما يقصده الخطاب الإلهي عند استخدامه للفظ «الفؤاد» والذي يتداخل معناه عند الكثيرين مع القلب ويعتبرونه مرادفًا له.

سنتعرض بدايةً لمواطن ذُكر فيها الفؤاد في الكتاب الحكيم ومن خلالها نحاول أن نتدبر المعنى.

الفؤاد محرك العواطف الإنسانية

قال تعالى: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (القصص: 10)

فؤاد أم موسى كاد أن يجعلها تبدي بما أسرّت من أمر وليدها وما فعلت به وتتزعزع عقيدتها في وعد الله لها، لولا أن ربط الله على قلبها، إذن كان هنا الفؤاد هو المسئول عن عاطفتها تجاه وليدها ولولا أن ثبت قلبها الذي يحويه ووجهه لهوى بها.

قال تعالى: «رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ» (إبراهيم:37).

وقول نبي الله إبراهيم (عليه السلام) هنا يؤكد أن الفؤاد هو مناط العواطف، وهو الذي يجعل الناس تلتف حول زوجته وابنه في المكان الموحش الذي تركهما فيه شفقةً وعطفًا عليهما.

والفؤاد بما أنه محرك للعواطف فهو الذي يملك التأثير على العقل بما يحمله من شهوات ومشاعر خوف وحزن وقلق لذلك كلما ضُبطت هذه المشاعر أُعطي للعقل الفرصة للتصرف الصائب والاعتقاد القويم وذلك نراه في خطاب الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية،

قال تعالى: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا» (الفرقان:32).

وقال تعالى: «وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ» (هود:120).

علاقة الحواس بالفؤاد

ونرى في آيات أخرى أن الفؤاد متعلق بالحواس كما في الآيات التالية:

قال تعالى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» (الإسراء:36).
وقوله تعالى: «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (النحل:78)

وقال تعالى: «مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ» (إبراهيم:43).

وتعلُّق الفؤاد بالحواس يجعله يتأثر بما يرى ويسمع فيطمئن أو يجزع ويرسل إلى القلب مشاعره بذلك فإما أن يستجيب القلب أو يعلي عليه صوت العقل.

وعندما يستعلي الفؤاد ويميل بشهواته قد يحيد القلب عن الطريق القويم ، قال تعالى: «وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ» (الأنعام:113).

ولا نعتقد أن الفؤاد دائمًا داعيًا لكل ما هو شر، فلولاه لفقد الإنسان مشاعر الشفقة والحب والقيم مثل الشجاعة والكرم والحذر والخوف الإيجابي.

الفؤاد عندما ينقاد للعقل ويحدث القلب الموازنة الصحيحة بينهما يصعد بصاحبه إلى أسمى مراتب الإنسانية والصلاح.

ونستكمل الحديث في المقال القادم، إن شاء الله، عن أداة القلب في تقويم الفؤاد ألا وهي العقل.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق