أطول آية تحفظ حق الدائن والمدين

استنكار كتابة الدَّين بين الجهل والطمع

لا أحد ينكر أهمية المال بالنسبة لجميع البشر، والذي به قوام حياتهم على كافة المستويات، وأن إخراجه ولو على سبيل القرض به الكثير من المشقة على أغلب النفوس، ولذلك كان الله أعلم بخلقه في ذلك.

فشرع الله للناس سُبل الحفاظ على أموالهم وضمان حقوق الدائن والمدين. وذلك لكي تطمئن النفوس وتسمح بإخراجه مما يدعم قيم التعاون والإخاء في المجتمع.

وجاء ذلك في صورة أمر واضح في الخطاب الإلهي حيث قال تعالى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (البقرة:282).

الكتابة والإشهاد ضمانة لصاحب المال

فجاءت الآية تطمئن صاحب المال بكتابة الدَّين والإشهاد عليه بصورة مفصّلة في أطول آية من آيات الذكر الحكيم.

وكان لكتابة الدَّين مقاصد أخرى يمكن أن نلمسها من خلال هذه الآية:

  • صيانة النفس من الضعف أمام شهوة المال والطمع فيه بإلزام المقترض برد الدًّين المكتوب بالإشهاد عليه.
  • البعد عن الشك والريبة التي قد تتولد في واحدة من أهم المعاملات المالية بين الناس.
  • الاستجابة عند الدعوة للشهادة على السواء رجالًا ونساء وعدم الإضرار بهم.

وتضمنت الآية كذلك آداب لا يجب أن يخلو منها أي تعامل بين الناس مثل الأمانة والعدل، الأمانة عند كتابة الدين والأمانة عند رده.

ولم تميز الآية بين التعامل بين المسلمين وبعضهم وتعاملهم مع غير المسلمين فقد جاء الأمر بالكتابة على الإطلاق حفظًا لحقوق جميع البشر.

أما من يرفض أن يكتب من أي من الطرفين سواء الدائن أو المدين فنراه أحد اثنين.. إما جاهلًا بما أنزل الله في كتابه الحكيم واضحًا مفصلًا، أو في نفسه طمعًا في المال الذي يستدينه إما بإنكاره أو المماطلة في أدائه.

ومن دقة تشريعه سبحانه أوكل كتابة الدين لكاتب عدل حتى لا ينحاز لطرف دون آخر وألزمه الله في الكتابة بما علمه الله وحفظ حقه في عدم الإضرار به.

وكذلك أوكل الله للمدين بأن يُملي عليه وأن يتق الله في ذلك هو أو من ينوب عنه في حالة عجزه.

ووضّح الله سبحانه وتعالى في الآية عدم التساهل في الكتابة مهما صغر حجم الدين ولا يستسلم أي من الطرفين إلى الحياء من كتابته أو الكسل.

فبذلك تُحفظ الحقوق من الضياع.. وتُحفظ النفوس من الريبة والشك.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق