تورط المفسرين في نقل الإسرائيليات

كيف تسللت الروايات إلى كتب التفسير؟

«إذا نحن تتبعنا كتب التفسير على اختلاف مناهجها وتباين مشاربها، وجدنا الكثير منها يذكر أصحابها في مقدماتها، مناهجهم التي نهجوها في تفاسيرهم، ووجدنا طائفةً منهم، غير قليلة، تذكر أن من منهجها أنها سوف تضرب صفحًا عن ذكر الإسرائيليات في تفاسيرها، ومع ذلك نرى غالب الذين وعدوا بنبذ الإسرائيليات وعدم إقحامها تفاسيرهم، يتورطون في ذكرها، لا ليحذِّروا منها ولا لينبِّهوا على كذبها، وإنما يذكرونها وكأنها وقائع صادقة، وحقائق مسلّمة بلا نقد لها، وبغير أسانيدها التي تيسر لمن ينظر فيها معرفة صدقها من كذبها».

هذا ما قاله الدكتور محمد حسين الذهبي، في كتابه «الإسرائيليات في التفسير والحديث».

وعندما نتكلم عن روايات الإسرائيليات، يجب أن نعلم أنهم بدلوا كتبهم وحرفوها، فكان من الطبيعي ألا نثق في رواياتهم وذلك كما جاء في آيات الذكر الحكيم.

قال تعالى:« وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ» (سورة المائدة:12 – 13).

وقال تعالى: «أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ» (البقرة: 75)

قصص بني إسرائيل في القرآن

يؤكد «الذهبي» في كتابه على أن الإسلام دين معرفة وتمتد معارفه إلى الأمم السابقة.

فقد قصّ علينا القرآن الكريم كثيرًا من أخبار بني إسرائيل وكثيرًا من أخبار الأمم السابقة ومن ذلك:

قصة قتيل بني إسرائيل الواردة في قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ…» (البقرة:67)  إلى قوله تعالى:  «فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ » (البقرة:73)

ويؤكد الكاتب على أن ما جاء في القرآن الكريم من قصص عن أهل الكتاب وعن غيرهم من الغابرين لم يكن إلا حقًا وصدقًا، ووحياً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم هو بعد ذلك لم يُذكر لمجرد اللهو أو العبث، كما يفعل القُصاص العابثون، وإنما ذُكر عبرة وعظة لسامعيه.

كما قال سبحانه وتعالى: «لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (يوسف:111)

وما جاء في كتب أهل الكتاب بعد تحريفها وتبديلها وما يحدِّث به علماؤهم وهم يخطئون ويصيبون ويكذبون ويصدقون، لا يمكن أن يُخدع به النبي وإنما يمكن أن يُخدع به جماعة المسلمين.

إقحام كتب التفسير بالإسرائيليات

ويزيد الدكتور محمد حسين الذهبي، في كتابه تأكيدًا عل تورط المفسرين في نقل هذه الروايات المكذوبة فيقول:

«بل لا أكون مبالغًا أو متجاوزًا حد الصدق، إن قلت أن كتب التفسير كلها قد انزلق مؤلفوها إلى ذكر بعض الإسرائيليات، وإن كان ذلك يتفاوت قلة وكثرة، وتعقيبًا عليها وسكوتًا عنها».

ونجد كتب التفسير في رواية الإسرائيليات وسكوتها عنها أو نقدها لها متفاوتة في ذلك.. وهذا ما نتعرض له في المقال القادم إن شاء الله.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق