الإسلام..  دين السلم والسلام

لم يجبر أحدًا على اعتناقه قسرًا واضطهادًا في الفتوحات المختلفة

أحمد نور الدين

كاتب صحفي وخبير إعلامي ومدرب دولي معتمد
مدير تحرير الأهرام التعاوني.بمؤسسة الأهرام
أحمد نور الدين

آخر أعمال الكاتب أحمد نور الدين (كل المقالات)

في عام 1981 أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرارها 36/67 تعيين الاحتفال باليوم العالمي للسلام، يومًا مكرسًا لتعزيز مُثل وقيم السلام في أوساط الأمم والشعوب وفيما بينها..

وليتيح هذا اليوم العالمي للسلام لجميع شعوب العالم مناسبة مشتركة لكي ينظّموا أحداثًا ويضطلعوا بأعمال تمجّد أهمية السلام والديمقراطية بطرق واقعية ومفيدة.

وفي عام 2001، عينت الأمم المتحدة تاريخ 21 سبتمبر يومًا للامتناع عن العنف ووقف إطلاق النار، داعية كافة الأمم والشعوب إلى الالتزام بوقف الأعمال العدائية خلال هذا اليوم، وإحيائه بالتثقيف ونشر الوعي لدى الجمهور بالمسائل المتصلة بالسلام، ليكون شعار الاحتفالات: «السلام والديمقراطية: أَبلِغْ صوتك».

إذ جاء في ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، أنّ الغرض من إنشاء المنظمة هو منع نشوب النزاعات الدولية وحلّها بالوسائل السلمية، والمساعدة على إرساء ثقافة السلام في العالم..

وأن السلام والديمقراطية تجمعهما روابط عضوية، فهما معًا يؤسسان شراكة تعود بالخير على الجميع.

والديمقراطية، من حيث جسَّدها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تهيئ بيئة مواتية لممارسة طائفة من الحقوق السياسية والحريات المدنية.

هكذا ترسي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الغربية، قيم وأسس السلام، والديمقراطية، وحقوق الإنسان قولًا وشعارًا، وهي أبعد ما تكون منه فعلًا وتحقيقًا..

ولِما لا وسطور التاريخ وصفحاته المتتالية تروي بهتان وزور ما تدعو به بلسانها ويضمره قلبها على المسلمين خاصة في كل بلدان العالم، المفروض والمعمم لدينا جميعًا تحضّره ومدنيته.

 

السلم والسلام مشتقان من الإسلام

وإذا كانت الأمم المتحدة تخصص يومًا للسلام العالمي، فإن لنا كمسلمين أن نفخر بديننا الإسلامي، الذي اشتق اسمه من السلم، والسلام، فكان حقيقته الواضحة وضوح الشمس في سماء الظهيرة، والتي تعمي كل من يجحدها..

فكان، وما زال، وسيظل دينًا للسلم، والسلام، والتسامح، والحب، والأمن، والحفاظ على العهد والمواثيق، لكل معتنقيه ومن ينضوون تحت لوائه وجناحه، من غير معتنقيه، حتى ولو كانوا وثنيين أو ملحدين لا يعترفون برب ولا بدين..

منذ أن بعث الله تعالى نبيه، مرورًا بفتوحات المسلمين المسالمين للبلدان المختلفة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، حبًا وبرًا له، وبما رأوه ولمسوه من معتنقيه من صدق وإخلاص ورحمة وأخلاق كريمة قيمة، لم تُرَ إلا فيهم بمعاملتهم لهم، صدقًا وليس تملقًا وزلفة وتقية.

 

ليس دفاعًا عن الإسلام!

عندما أقول ما سبق، فليس معنى حديثي أنني أدافع عن ديني، أو أزيل عنه شبهات ألصقها به أعداؤه..

بل هو حديث الطبيب المعالج لمن أعمى عيونهم التعصب والحقد والبغض له..

أزيل بحقائقي هذه عماهم هذا، وأنظف لهم هذا اللوث القلبي والعقلي المزمن لديهم..

فليس بديني عورة أو سوءة معراة، نريد سترها، أو «بطحة» نحسس عليها ونخفيها خجلًا..

وهكذا ينبغي لكل من يتصدى للرد على ادعاءات واتهامات أعداء ديننا له، أو ممن يلتمسون الفضيلة والقيم والمُثل العليا والأخلاق الفاضلة الحميدة، وهم أبعد ما يكونون عليها رافعين شعار، متدثرين بدثار «الشيطان يعظ».

نزيل عمى أبصارهم ودرن قلوبهم ونصحح ذاكرة عقولهم، المتهمين لديننا بتعرضه بالعنصرية في تعامله مع غير المسلمين، وكراهية الآخر، والتشجيع على غبنهم وظلمهم، بهذه الحقائق، التي مفادها أن الناظر بعين الإنصاف يدرك ويبصر أن الإسلام لم يجبر أحدًا قط على اعتناقه..

وأن قرآننا الكريم – تشريع الواحد الأحد – يؤكد هذه الحقيقة التي آمن بها النبي «صلى الله عليه وسلم» وسلفه الصالح، وطبقوها حق التطبيق.

يقول ربنا، عز وجل: «لكل جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا» (المائدة: 48).

ورفض الإسلام فكرة إلغاء الآخر، وأعلنها صريحة مدوية إلى يوم القيامة: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (البقرة: 256).

بل أدرك المسلمون أن هداية جميع الناس من المحال، وأن رسالتهم وهدفهم الأوجب استمرار ودأب الدعوة، والبلاغ فحسب، وتحبيب وإقناع الناس إلى الحق المبين..

وأن الله يتولى حساب المعرضين في الآخرة، لقول ربنا تعالى مخاطبًا نبيه: «وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس: 99).

 

الخطاب الإلهي يرفض إسلام المكره

ومع ما سبق، رفض أيضًا ديننا إسلام المكره..

ولم يجبر أحدًا على اعتناقه قسرًا واضطهادًا في فتوحاتهم المختلفة عبر تاريخنا الإسلامي، وأتحدى من يثبت ذلك..

بل كانت شهادات المستشرقين تشهد بهذا عبر مختلف الأزمنة والعصور، إنصافًا، وحقيقة فعلية جسدها ساداتنا الفاتحون.

يقول المفكر الإسباني «بلاسكوا أبانيز» متحدثًا عن الفتح الإسلامي للأندلس في مؤلفه «ظلال الكنيسة»: (لقد أحسنت إسبانيا استقبال أولئك الرجال الذين قدموا إليها من القارة الإفريقية، وأسلمتهم القرى أزمتها بغير مقاومة ولا عداء، فما هو إلا أن تقترب كوكبة من فرسان العرب من إحدى القرى حتى تفتح لها الأبواب وتتلقاها بالترحاب، كانت غزوة تمدين، ولم تكن غزوة فتح وقهر، ولم يتخل أبناء تلك الحضارة زمنًا عن فضيلة حرية الضمير، وهي الدعامة التي تقوم عليها كل عظمة حقة للشعوب، فقبلوا في المدن التي ملكوها كنائس النصارى، وبيع اليهود، ولم يخش المسجد معابد الأديان التي سبقته، فعرف لها حقها واستقر إلى جانبها غير حاسد لها، ولا راغب في السيادة عليها).

ألم أقل لكم إنه دين السلام والتسامح والمودة والرحمة الفعلي، لا المتوشّح بالشعارات الأممية الزائفة.. وللحديث بقية بمشيئة الله وحوله وقوته.

المصدر:

مقال «ديننا الحنيف.. واليوم العالمي للسلام (1)» المنشور في موقع «الأهرام»

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق