الإسلام ينبذ الإرهاب

قتل الأبرياء مخالف لكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية

د. صبحي غندور

كاتب وصحافي لبناني، مقيم بأمريكا.. ناشر ورئيس تحرير مجلة «الحوار» ومؤسس ومدير «مركز الحوار العربي».. أدار ما يقرب من 1000 ندوة ولقاء فكري وثقافي من خلال مركز الحوار العربي.
د. صبحي غندور

آخر أعمال الكاتب د. صبحي غندور (كل المقالات)

في الإسلام مفاهيم وضوابط واضحة، لا تقبل بأيِّ حالٍ من الأحوال قتل الأبرياء – وهو مضمون المصطلح المتداول الآن ( الإرهاب )- مهما كانت الظروف والأعذار، حتى ولو استخدم الطرف المعادي نفسه هذا الأسلوب.

وفي قول ابن آدم هابيل، لأخيه قابيل، حكمةٌ بالغةٌ لمن يعيها:

«لئِنْ بسَطْتَ إليَّ يدَكَ لتقتُلني ما أنا بباسطٍ يدِيَ إليكَ لأقتُلَكَ ، إنّي أخافُ اللهَ ربَّ العالمين. إنّي أُريدُ أن تبُوْأَ بإثْمي وإثْمِكَ فَتكونَ من أصحابِ النّارِ وذلكَ جزاءُ الظالمين». (المائدة: 28-29).

وفي القرآن الكريم أيضًا: «منْ قتَلَ نفْساً بغيْر نفْسٍ أو فَسَادٍ في الأرضِ فكأنّما قتلَ النَّاسَ جميعاً، ومَنْ أحْياها فكأنّما أحيا الناسَ جميعاً» (المائدة: 32).

إنّ القتل العشوائي لناسٍ أبرياء، هو أمرٌ مخالف لكلِّ الشرائع السماوية والإنسانية، وهو يتكرّر رغم ذلك في أكثر من زمانٍ ومكان، ولا نراه يتراجع أو ينحسر..

وفي ذلك دلالة على انتشار الفكر المشجّع لمثل هذه الأساليب الإجرامية.

ثمّ تزداد المأساة عمقًا، حينما يعطي بعض المحلّلين السياسيين الأعذار لهذه الجماعات ولأعمالها، وكأنّ الحرام يصبح حلالًا، لمجرّد وجود مشاكل اجتماعية أو سياسية في هذا المكان أو ذاك.

الإرهاب .. أصبح ظاهرةً خطرة على صورة الإسلام 

إنّ قتل النفس البريئة، هو جريمةٌ بكلِّ المعايير، مهما ارتدى الفاعل المجرم من عباءات دينية أو طائفية أو وطنية.

فلا تغيير المجتمعات يصحّ بالعنف الدموي، ولا تحرير الأوطان يبرّر قتل الأبرياء، ولا الردّ على التطرّف يكون بالتطرّف أيضًا.

إنّ اتّساع دائرة العنف الدموي باسم الإسلام، أصبح ظاهرةً خطرة على صورة الإسلام نفسه، وعلى المسلمين في كافّة المجتمعات التي يعيشون فيها.

وهذا أمرٌ يضع علماء الدين أولًا، أمام مسؤولية لا يمكن الهروب منها، فهم المعنيون بالترشيد الديني السليم في كلّ المجتمعات، بينما، للأسف، نجد بعضهم يُشجّع على الإرهاب وعلى مثل هذه الأساليب الإرهابية، وهذه مصيبةٌ كبرى.

العنف أصبح يمارَس بلا ضوابط دينية أو أخلاقية أو إنسانية، وهذا نراه يحدث أيضاً في المجتمعات العربية التي كان شعار «إسقاط النظام» هدف انتفاضاتها الشعبية..

فإذا بها تنتهي، بسبب استخدام العنف المسلّح، إلى إسقاط أوطانها ووحدة شعوبها. فالتغيير القائم على العنف المسلّح والقتل العشوائي للناس، يؤدّي حتمًا إلى تفكّك المجتمع، وإلى صراعاتٍ أهلية دموية، وإلى مبرّراتٍ لتدخّل إقليمي ودولي واسع.

ينطبق الآن على حال الأوطان العربية والإسلامية، وصف مرض «ازدواجية الشخصية».

انتشار التدين الظاهري

ففي معظم هذه البلدان، تزداد على المستوى الفردي ظاهرة «التديّن»، واهتمام الناس بالعبادات الدينية، لكن مع ابتعادٍ لهذه المجتمعات عن مبادئ الدين وقيَمه وفروضه الاجتماعية.

إنّ المسلمين عمومًا، والعرب خصوصًا، بحكم دور ثقافتهم ولغتهم واحتضان أرضهم للمقدّسات الإسلامية، مدعوون إلى مراجعة هذا الانفصام الحاصل في شخصية مجتمعاتهم، وإلى التساؤل عن مدى تطبيق الغايات النبيلة في ما هو منصوصٌ عليه من قيم وواجبات دينية.

فأين الالتزام بقول الله تعالى: (ولقد كرَّمنا بني آدم)، بغضِّ النّظر عن أصولهم وأعراقهم وألوانهم وطوائفهم؟..

أين العدالة والمساواة والشورى وكرامة الإنسان في كثير من المجتمعات العربية والإسلامية؟..

وأين الوحدة في هذه المجتمعات، وأينَها بين بعضها البعض؟..

أين التكافل الاجتماعي ومكافحة العوز والفقر؟..

وأين دور الاجتهاد والعلم والعلماء في مواجهة الجهل وعلامات الجاهلية المتجدّدة؟..

أين رفض التعصّب والتمييز العرقي والإثني والطائفي؟..

أين المسلمون من جوهر إسلامهم؟..

وأين العرب من كونهم «خيرَ أمّةٍ أُخرِجت للناس»، بعدما حملت رسالةً تدعو إلى الإيمان بالله الواحد وبكتبه ورسله، لا تفرّق بينهم، وتؤكّد على وحدة الإنسانية، وعلى قيم العدل والمساواة بين البشر؟!

إنّ الله عزّ وجلّ يقاضي الناس ويحاسبهم على أعمالهم بشكل فردي، فلا تُظلَم، بلا ذنب، جماعةٌ بأسرها، عائلةً كانت أم قبيلة أم طائفة أم أمّة، لأنّ أفرادًا منها أساؤوا.

وهذه الحكمة الإلهية جليّة الوضوح في قوله تعالى: «ولا تزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أخرى»، إذ لا يجوز أن ينظر الناس إلى بعضهم البعض من مواقع عائلية أو قبلية أو طائفية، فيتمّ، إمّا تكريم أشخاص أو ظلمهم، تبعاً لانتماءاتهم، لا بسبب كفاءتهم أو أعمالهم.

بل أين المسلمون في سلوكهم الفردي مع أنفسهم ومع محيطهم العائلي والوطني، ممّا يقولونه في صلاتهم ويقرؤونه في كتاب الله العزيز والسيرة النبوية الشريفة من مفاهيم وقيم وضوابط السلوك في التعامل مع النفس والآخر؟.

تُرى، لِمَ لا تحدث الآن وقفة مع النفس العربية عمومًا، والإسلامية منها خصوصًا، للتساؤل عمَّ حدث ويحدث من تراجع مهين في أوضاعهم وأوطانهم، ومن أساليب قتلٍ وعنفٍ مسلّح، واقتتالٍ داخلي تحت مظلّة دينية وشعارات إسلامية؟.

إنّ «داعش» الآن، ومعها وقبلها «القاعدة»، استطاعتا استقطاب قطاعاتٍ واسعة من أجيال شابّة عربية وإسلامية، بسبب طغيان الفكر الظلامي، وأيضًا بسبب غياب فعالية الفكر الديني السليم، الذي يُحرّم أصلًا الإرهاب وكل ما تقوم به هذه الجماعات من أساليب قتل بشعة، وجرائم إنسانية بحقّ كل من يختلف معها، حتّى من داخل الوطن أو الدين نفسه. فلو لم يكن هناك فراغ فكري للمفهوم الصحيح للدين وللمواطنة، لما أمكن استقطاب هذا الحجم من أتباع هذه الجماعات.

إنّ المخاطر القائمة حاليًا، هي ليست على أتباع هذا الدين أو ذاك المذهب فقط، بل هي أخطارٌ محدِقة بحقّ الأوطان كلّها، بما فيها الشعوب والحكومات والمكوّنات الاجتماعية فيها. فضحايا التطرّف العنفي الآن، هم من أوطان ومناطق وأديان ومذاهب مختلفة، وهم العرب والمسلمون في الشرق والغرب معًا.

 

المصدر:
مقال «الإسلام ينبذ الإرهاب وقتل الأبرياء» المنشور بموقع «البيان»

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق