دعوة رئاسية لتصويب الخطاب الإسلامي

«السيسي» يرفض كل ما يشوه صورة الإسلام في الداخل أو الخارج

المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

باحث ومفكر إماراتي، مهتم بالشأن العربي وما آل إليه حال الأمة العربية. له العديد من الكتب والأبحاث التي تناولت دعوته إلى إحياء الخطاب الإلهي والتمسك بأن يكون القرآن الكريم هو الدستور والمرجعية الوحيدة للمسلمين.
المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي

آخر أعمال الكاتب المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي (كل المقالات)

في عام 2013 أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي أول نداءاته المطالبة بضرورة تصويب الخطاب الإسلامي حتى يتم تنقية ديننا الحنيف ما شابه من الروايات والإسرائيليات.
وكان في طليعة من تلقوا نداء الرئيس بالترحيب والحماس، المفكر العربي، علي محمد الشرفاء الحمادي، والذي لم يكتف بتأييد الدعوة، بل قدّم بالفعل مشروعًا فكريًا متكاملًا حول تصويب الخطاب الإسلامي.
فأطلق بحثه العلمي والشرعي «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي»، والذي تضمن بين جنباته توضيحًا للفرق بين الخطاب الإلهي الداعي للرحمة والعدل والتسامح، وبين الخطاب الديني الذي أخرج الدين عن سماحته.
كما أوضح المفكر العربي، علي الشرفاء في الكتاب، معاناة الأمة العربية جراء ابتعادها عن كتاب الله والانقلاب على القرآن الكريم واتباع الوايات المكذوبة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
وجاءت افتتاحية كتاب «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي» للمفكر العربي علي الشرفاء الصادر عن مؤسسة رسالة السلام لتحمل رسالة تأييد لمبادرة الرئيس السيسي عن ضرورة تصويب الخطاب الإسلامي وهي الافتتاحية التي ننشر نصها في الأسطر التالية:

 

مما لا شك فيه، أن دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي التاريخية بضرورة تصويب الخطاب الإسلامي ، هي من أجل تحفيز الفكر واستنهاض العقل للبحث والتمحيص في كتاب الله الكريم، عن أسباب ما جرى وما يجري على الساحة العالمية، والساحة العربية باسم الإسلام.

وقد تفاعلت بكل الإيمان بالله، بصرختك، التي تضمنت في عمقها تمردًا يعتمل في النفس، ويرفض ما يشوه صورة الإسلام والإساءة إلى نبي الرحمة، وتبحث عن الأسباب، التي خلقت حالة العدوان ضد الإنسان، والتي دفعت بآلاف الشباب إلى السقوط في منظمات القتل والإرهاب، وبما أن لكل شيء سبب، ولكل عمل نتيجة، فلا بد من البحث عن حقيقة الأسباب التي أدت لتلك الكارثة.

لقد أرسل الله رسالته للناس تضمنها الخطاب الإلهي «القرآن الكريم»، وبدأ خطابه ــ جلَّ وعلا ــ بقوله:

«اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإنسان مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ(5)» (العلق: 1-5).

بهذه الآيات يُخاطب الله سبحانه العقل، ويدعو الناس للتفكير، ويحاورهم بالمنطق، ليتحقق للعقل سلامة الفكرة للاقتناع بها، وعندئذٍ يترسخ الإيمان بها في قلب الإنسان، يحميها عقله من أي ذبذبات سلبية ومقولات دينية، أو روايات مزورة تسعى لتشويه ما آمن به، وأدركه عقله من حقائق إيمانية بالآيات القرآنية، التي تقدِّم للناس دعوة التفكر.

واستعراض مجموعة من الحقائق الكونية، إن هي إلا تحفيز للعقل واستثارته ليتفاعل مع الآيات القرآنية والحقائق الكونية ليتحقق للإنسان إدراكٌ يقيني بأن الله وحده لا شريك له، هو خالق السماوات والأرض، وأن نتفاعل مع الخطاب الإلهي الذي أرسله الله للناس كافة.

تصويب الخطاب الإسلامي للتأكيد على أن الإسلام للناس جميعًا

كما قال تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (سبأ: 28).

وقوله تعالى: «قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ» (الأعراف: 158).

وقوله تعالى: «قُل يا أَيُّهَا النّاسُ قَد جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُم فَمَنِ اهتَدى فَإِنَّما يَهتَدي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيها وَما أَنا عَلَيكُم بِوَكيلٍ» (يونس: 108).

وتؤكد الآيات المذكورة، أنَّ الله أرسل رسوله محمدًا ــ صلى الله عليه وسلم ــ للناس كافة، ولم يرسله لطائفة أو طبقة مميزة من الناس، حيث الناس كلهم عند الله سواء، وكل يحاسب بعمله، وكل يجازى به، وذلك يؤكد ما يلي:

أولًا: إنَّ الخطاب الإلهي، القرآن الكريم، موجه للناس كافة دون تمييز لدين أو عقيدة أو طائفة أو طبقة أو مذهب أو فرقة.

ثانيًا: إنَّ الرسالة الإسلامية التي تضمنها القرآن الكريم تخاطب الناس جميعًا، بالتفاعل الفكري مع آيات الله في كتابه الكريم، لتمكنهم من استنباط التشريعات اللازمة لتنظيم أمورهم الدنيوية، واتباع قيم الإسلام الراقية في السلوك والتعامل مع كل البشر. تنفيذًا لقوله تعالى:«يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّـهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ»(الحجرات: 13).

ثالثًا: تؤكد هذه الآية سقوط كل الامتيازات الاجتماعية باسم الدين، وعدم وجود طبقة دينية مميزة تماثل طبقة الكهنة عند بعض العقائد، التي تحكم باسم الدين وتوجه المجتمعات الإنسانية حسب أهدافها السياسية والمادية والعاطفية والمعنوية، وكل الناس متساوون أمام القانون في الحياة الدنيا، ويتساوى البشر جميعهم أمام الله يوم الحساب وكل بعمله.

تصويب الخطاب الإسلامي - علي محمد الشرفاء الحمادي

الحديث النبوي.. مصطلح تم استخدامه لإشعال الفتن

وقد استطاع بعض مَن تصدى للدعوة الإسلامية ومعهم ما يسمون «رواة الحديث» إغراق العقول بروايات تستنزف طاقة المسلمين في صراع سياسي ومذهبي، خلق حواجز نفسية داخل المجتمع الواحد، وأدى إلى انتشار خطاب الكراهية، مما يهدد السلم الاجتماعي، وتحجر على عقولهم التفكير، والتسليم الكامل للروايات، التي ساهمت في تخلف المسلمين عن ركب الحضارة الإنسانية والعلمية، وأغرقت الأساطير عقول المسلمين، وآمنوا بها دون تفكير أو تمحيص، حتى وصلت إلى درجة القداسة، وتعالت عند بعض شيوخ الدين على آيات القرآن الكريم عندما طغت الروايات على الآيات.

إنّ الأمة الإسلامية تواجه محنةً شديدة الخطورة، حيث استطاع الأشرار أن يدسّوا رواياتٍ كاذبةً حاقدةً على دين الإسلام تنزع عنه العدل والرحمة والسلام والمحبة والتعاون، لتحلّ بدلًا من تلك القيم الإنسانية النبيلة الكراهية والتعصب والقسوة والقتل والاعتداء الصارخ على الأبرياء، والإساءة إلى كتاب الله الكريم، والإساءة إلى رسوله صلوات ربي وسلامه عليه.

وتحولت إلى مناهج تعليمية في كتب مجهولة المرجع، تُدرَّس في الجامعات الإسلامية حتى اليوم، تفرّخ للعالم الإسلامي مجرمين وقَتَلة وإرهابيين، أمثال: (داعش وجبهة النصرة والقاعدة والسلفية الجهادية والتكفير والهجرة و الإخوان المسلمين وغيرهم، والبقية تأتي).

أولئك الذين شوّهوا بسوء قصد، صورة الإسلام في العالم وما تحمله من مبادئ الرحمة والعدل للإنسانية جمعاء، متجاهلين كذلك، وعن عمد واضح، كل ما جاء في كتاب الله تعالى من توجيهات واضحة باتباع المنهج الإلهي وحده دون غيره، لكي يتحقق تصويب الخطاب الديني.

الخطاب الإلهي موجه للعقل الإنساني

وبما أن الله سبحانه وتعالى يخاطب العقل الإنساني ولا يخاطب طبقة علماء الدين أو الكهنة أو الأئمة الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على الدين واختزلوا معرفة مراد الله من آياته، فإن الأمر يتطلب دعوة المفكرين والعلماء في مختلف التخصصات، لاستنباط فقه جديد وتشريع يتفق مع القرآن الكريم في الحرية والعدل والمساواة والرحمة والتعاون بين كل الناس، في كل المجتمعات الإنسانية، ويسعى لتصحيح مفاهيم الإسلام العظيمة التي استطاع الطغاة والجهلة واليهود والمجوس طمس تعاليم الإسلام وتشويه صورته، خاصة بعد ظهور فرق الإرهاب الجديدة أمثال «داعش» و«الإخوان»، وغيـرهما الذين استباحوا حق الحياة للأبــرياء، حتى أصبح شعار (الله أكبر) يختفي وراءه انتحاري يتفجر في المسالمين من المواطنين لتنتشر دماؤهم وتُمزق أجسادهم ظلمًا وعدوانًا.

إنّها أمانة في أعناقنا أمام الله لتصحيح المسار، الذي حاد عن رسالة السماء منذ أربعة عشر قرنًا، حتى تستطيع رسالة الإسلام وما تضمنته من تشريعات أساسها العدل والرحمة والسلام والمساواة بين جميع البشر، إضافة إلى ما تدعو إليه بالتمسك بالقيم السامية والأخلاق الراقية، لتكـــون قاطرة الحضارة الإنسانية، وإنقاذها من دعاة الشر ومن جشع المال ومن استعباد البشر ومن أطماع اللصوص الذين استباحوا كل المحرمات، وداسوا على كل الشرائع السماوية، فأصبحوا وحوشًا كاسرة، فقدوا البصيرة ومات لديهم الضمير، مما يجعلهم يشكلون خطورة على مستقبل الحضاره الإنسانية.

ويكون تصويب الخطاب الإسلامي بالبحث في مرجعية إلهية واحدة وهي القرآن الكريم، حيث قال الله سبحانه وتعالى:«وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ» (الأنعام: 38).

تؤكد هذه الآية أن القرآن الكريم وضع مبادئ العدالة والسلام لكل عباده ليكون المصدر الوحيد لاستنباط التشريع في كل عصر وليكون صالحًا لكل زمان ومكان.

إن أقصر الطرق من أجل تحصين أمتنا العربية والإسلامية، وسد كل الذرائع التي تم توظيفها على مدى قرون عدة، لتفريق المسلمين شيعًا وأحزابًا ومذاهب شتّى، هو العودة لكتاب الله الذي أنزله هدى ورحمةً وتعاونًا وعدلًا وسلامًا للناس أجمعين، عسى الله أن يرحمنا ويهدينا سبيل الحق والرشاد.

 

المصدر:

مقدمة كتاب «المسلمون بين الخطاب الديني والخطاب الإلهي» الصادر عن مؤسسة «رسالة السلام» للأبحاث والتنوير

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
EnglishFrenchSpainPortugalItalyGermanRussia
إغلاق